حكاوي البيسين (٣)

 

يسبق جلسة الأكوا اليوم جلسة التغذية ، لكل منا نظام غذائي مختلف طبقا لطبيعة العمل والمجهود المبذول ،وغير مسموح لنا بأي زيادة في الوزن ،مع متابعة مستمرة لأنظمتنا الغذائية.

ودائما ما تعترض أخصائية التغذية على تناولي قطعة إكلير مفضلة لدي بعد التمرين .

ولا أنكر أنها حاولت نصحي عدة مرات باستبدالها بأي بروتين صحي ، وفي كل جلسة أعدها بالإقلاع عن الإكلير ، ولكن …هيهات!!

كان ملتقانا النسائي المائي اليوم في الجزء المخصص بالجاكوزي، أو كما نفضل أن نطلق عليه- الصالون- الذي أصبح ضيفا حاضرا وشاهدا على كثير من حكاوي البيسين.

تملأ عيناها الدموع، منذ بدية الجلسة، ونشاهدها تحاول تكرارا، ومرارا أن تخفي حزنا دفينا عصي علي الاختباء، لتبوح لنا بما يحيك في صدرها الباكي ، فقالت:

سافر بعد إجازته الصيفية المعتادة تارك لي عبئا ثقيلا.

أكثر من خمسة عشر عاما من الغربة ، شاركته الغربة في سنواتها الأولى، وكانت من أجمل سنوات العمر، كنا نتقاسم الحزن والفرح -سويا- نتحمل من أجل مستقبل أفضل لنا ولأبنائنا.

تقلد المناصب وزاد الرزق، وأنعم الله علينا من فضله، ودائما، نحلم بيوم العودة إلى الوطن لنستمتع بثمرة سنوات الكفاح.

وخلال تلك الرحلة، أرتفع مستوي معيشتنا ومعيشة الأبناء، وبتعليم دولي مكلف في بلاد الغربة، لتتبدل قوانين البلاد؛ فأصبح وجود أسرة ،بما تحمله من نفقات، عبئا ماليا كبيرا على الزوج.

وكالعادة أخذنا القرار بعودتي إلي الوطن مع الأبناء، ليكمل هو رحلة الكفاح -بمفرده- لتخفيض النفقات.

تحملت رعاية الكبير ومرض الصغير، ومسئولية البيت والتربية والمدارس والتدريبات والدروس وشئون الأسرة كاملة، مع محاولات والدي مساعدتي قدر استطاعتهم الصحية، ومع تبادل الزيارات بيننا وبين زوجي قدر المستطاع.

كنت أعد نفسي دائما بأنني سأجد الراحة مع كبر الأبناء، وتحمل كل منهم المسئولية، وكبر الأبناء، التحق أحدهم بالجامعة والوسطى بالمرحلة الثانوية أما الأصغر، ففي المرحلة الإعدادية.

لكنني كنت أستيقظ كل يوم على مشكلة من نوع مختلف .

مرة يطلب طالب الإعدادية السفر رحلة عدة أيام مع أصدقائه برعاية والد أحدهم .

ومرة تطلب فتاة الثانوي بالسفرأسبوعا مع صديقاتها قبل بدء الدراسة لشاليه الساحل.

أما الأكبر، فكان له عدة طلبات منوعة على سبيل المثال هدية الالتحاق بالجامعة سيارة تليق بالجامعة الخاصة التي التحق بها، أسوة بمن معه، مع تطلعه الدائم إلي الأستقلال عنا في شقته المعدة لزواجه.

حاولت كثيرا مرارا وتكرارا الحديث والنصح والإرشاد والرفض لكل ما يتعارض مع قيمنا، أو حتى ظروفنا المادية، ولكن هيهات .

أصبحت الأم المكروهة، أما الأب، فهو المدلل الحنون الذي يقضي إجازة سعيدة بينهم ما بين سفر ومتنزهات، وخلافه.

وكل يوم يطل علينا خبر صادم عن شاب محتجز في إحدى المصحات للعلاج من الإدمان، أو هروب أحدهم والزواج العرفي بمن اختاره قلبها، ووصل الأمر إلى الإلحاد وعدم الاعتراف بالأديان، وغيرها حكايات كثيرة عن تمرد الشباب.

أخشي أن نكون خبر صادم في يوم ما !!

لا أعرف ماذا أفعل؟؟

أصبحت غير قادرة على التحمل، خارت قواي، وأثقلتني ضغوط الحياة ، ووهن العظم، وظهر الشيب، ولم أعد أحتمل ضغوط التربية ورعاية الأبناء في سنوات المراهقة بكل ما بها من مشاكل!!

عزيزتي الغالية، أظن أن الوقت قد حان لاتخاذ قرار حاسم بلمّ شمل الأسرة، إما أن تجتمعا خارج البلاد، مضحين بالمال في سبيل الأسرة، أو أيضًا الاكتفاء والرضا بما رزقكم الله خلال سنوات الرحلة، وعودة الأب إلي وطنه وأسرته، وهذا هو القرار الذي أحبذه لكم.

فقد اختلف المجتمع ومغرياته حول الشباب تمامًا عما كان عليه من قبل، ومع العولمة ،وانتشار منصات وبرامج التواصل والتعارف، أصبحت رعاية الأبوين للأسرة هي صمام الأمان للشباب.

فعودة الأب إلى الأسرة هي عودة لدوره الأساسي في الرعاية والإشراف والمتابعة والتوجيه

عودة لاحتواء الأبناء، ليكون صديقًا مقربًا لابنه وابنته، يرسم معهم المستقبل، ومخططًا معهم لمستقبلهم، مستثمرًا ما جمعه من مال في عدة طرق، لبناء حياة أسرية أكثر استقرارا.

وليستمتع بما يملك قبل الوصول إلى سن المعاش، والعودة باحثًا عن الأطباء للعلاج من الأمراض،قبل أن يكتشف الإنسان أن بعض ما فقده لا يمكن استعادته بالمال.

فنحن نسعى خلال رحلة العمر إلي المال من أجل بناء الحياة الكريمة الرغدة المستقرة، لكن علينا ألا ننسي أن المال وسيلة للحياة ، وليس بديلا عنها، لجمعه واكتنازه، وإدمان الغربة والسفر!!

فليس كل ما نكسبه من الغربة يعوضنا عما نخسره من العمر أو الأبناء.

حفظ الله عليكِ أسرتك الغالية، وأعانكم على مسؤوليات الحياة.

وما زالت الحكايات مستمرة، وللحديث بقية.

 

صباح عاصم

رئيس مجلس ادارة جمعية بداية للأعمال الخيرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى