صباح عاصم تكتب .. حكاوي البيسين (٤)

يوم مشرق بشمس صيف دافئة ،قررت الاستمتاع بأشعة الشمس الذهبية ، أملا في الحصول على جرعة فيتامين د من الطبيعة بعد الانتهاء من جلسة اليوم.
فيحيط بالبيسين مقاعد مريحة في حديقة صغيرة تحيط بنا ، تحتضننا بحب ، مخصصة للاستجمام بعد الجلسات ومصممة بعناية فائقة ،يتسللها ضوء الشمس خلسة في عدة أجزاء، ومحاطة بسور شجري كثيف ،مغلفا الأسوار الخشبية ،لضمان الخصوصية التامة في جلسات السيدات .
وهو المكان المفضل لدي للكتابة ، شاهدا معي علي بعض مقالاتي.
ومن الطبيعي والمعتاد في أي مجتمع نسائي أو ملتقى يجمعهم ،البحث عن عروس مناسبة أو عريس مناسب لأحد الأبناء أو المعارف.
إنه دور هام يلعبه أي ملتقى نسائي فهو بديل أمثل لدور الخاطبة قديما ،ولكنه بصورته الحديثة.

بطلة القصة اليوم فتاة لم تتجاوز الخامسة والعشرون ربيعا ، جميلة ،رقيقة ،وزادها الحجاب والاحتشام نور وجمال هادىء ، يجذب إليها الأنظار، وكان من الطبيعي أن يتقدم لها الكثيرون.
كان الملفت هو الرفض الدائم لكل من تقدم، كنا نعلم بخطبة سابقة لها لم تكتمل ، وفي النهاية باحت لنا فقالت:
أنا فتاة من أسرة لأب وأم بدرجة علمية مرموقة وبمراكز قيادية ،من أصول ريفية محافظة ، يتم الزواج بطرق تقليدية وخلال ستة أشهر فترة الخطبة ،وغير مسموح بالخروج أو المكالمات الهاتفية، والأكتفاء بالزيارات الأسبوعية للخاطب، وطبعا مع رغبة الأب والحرص الشديد على زواج البنات في سن صغير أسوة بالمجتمع الريفي .
وبمجرد التخرج طرق الخطاب بابنا ، لأمر بثلاث تجارب خطبة فاشلة ، حتى الآن ،تقدم القريب والغريب، ووافق أبي ، وخيرني ، وفضلت الغريب ،حرصا علي العلاقات الأسرية.
كان الغريب طماعا ، وخلال رحلة الإعداد السريعة للزواج ظهر جليا طمع واضح ،وفي مواقف عدة ،ولم يخجل طالبا مني طلب شراء تكييفات الشقة من أبي، نظرا لمصاريف الزواج والشقة وغيرها.
أدركت أنه لم ولن يكون زوج المستقبل الذي طالما حلمت به.
وبمجرد عرض الأمر على أبي، رفض تماما إنهاء الخطبة مبررا لخطيبي الأسباب، شاب في مقتبل حياته، وضغوط إعداد الشقة وتجهيزات الزواج وبأنه حال معظم الشباب.
لكنني أصررت علي فسخ الخطبة وبعد إلحاح مني وتدخل المقربين لنا أنهيتها غير آسفة عليه، لأبدأ حياتي العملية ودراساتي العليا أسوة بأبي.
ليعاود القريب من بلدتنا الريفية ،التواصل معنا مجددا طلب الخطبة ليوافق أبي مشجعا إياي بالقبول، وافقت علي الخطبة الثانية ، كان كريما متمسكا بعادتنا الريفية ، حتي أنه وبعد الخطبة أصبح يعطيني مصروفا شهريا ، كعادة قديمة يعلمها أهل الريف، وشقة الزواج في بيت العائلة، وأيضا بدأنا سريعا في تجهيزات الزواج.
ومرت خمسة أشهر عمر الخطبة الثانية ، ما بين شد وجذب ،ملمحا دائما لي برغبته في ترك العمل والدراسة أيضا لأتفرغ للبيت!!
ومع اقتراب تحديد موعد الزواج ،صرح لي بأننا سنقيم مع والدته طوال اليوم، حياة عائلية مشتركة ،أسوة بزوجات إخوته السابقين – وكعادات الريف التي تربى عليها – علي الرغم من وجود أخت له مع الأم ، فالأم ليست بمفردها لنجتمع يوميا معها .
وكانت القشة التي قطمت ظهر البعير، رفضت تماما الاختلاط الزائد ومشاكله، حاولت كثيرا إقناعه بأنني عشت حياة منغلقة لا أفضل الاجتماعيات والاختلاط، ويكون التقارب في حدود المعروف ولكن هيهات !!
ورفضت إكمال الزواج للمرة الثانية، ولكن أبي رفض أن يستمع لي في هذه المرة، وأصر على تحديد موعد الزواج ، تدخل الجميع لإثنائه ، حاولت أمي كثيرا أقناعه بحقي في أختيار الأنسب لي ، صارحت خطيبي باختلاف طباعنا وأسلوب الحياة، متمنية له حياة سعيدة بمن يختارها.
ولكن في هذه المرة خاصمني أبي لفترة!!
ولم يمر العام حتي تقدم لي أخو صديقتي ، مغترب متفتح، رحب بعملي، شجع دراستي، احترم رغباتي، وكان أول سؤال له هل سأقيم مع والدته ؟؟ التي تقطن بجوارنا بنفس الكمبوند السكني؟ وكانت إجابته بأن والدته عانت كثيرا من تدخل جدته في أسلوب حياتها وعزمت الأمر علي احترام رغبات الأبناء في حياة منفصلة ، مع الود والأحترام المتبادل بيننا.
فرحت كثيرا واعتقدت أنه العوض الجميل بعد تجارب الفشل التي مررت بها، وخاصة تمسكه بي و إعجابه بتحفظي وبأسرتي المحافظة ،وطبعا وافق أبي علي العريس المنتظر بلا تردد.
سافر خطيبي ولأول مرة يسمح لي بالتواصل معه من خلال منصات التواصل الاجتماعي المختلفة ، أصبحنا نتحدث يوميا، ولاحظت صور كثيرة له ، رحلات ، خروج، سفر ومعه فتيات ، استفسرت منه عنهم ؟؟
وكان الرد بسيط أصحابه، صديقات الجامعة وصديقات العمل ، ناقشته تحدثنا كثيرا بأنني لا أقبل أي علاقة سوى الزمالة فقط ، وأن ما يفعله لا يرضي الله ورسوله، وعليه تحجيم هذا النوع من العلاقات.
طبعا كان الرفض التام منه لتغيير نمط وأسلوب الحياة ورفضي التام لتقبل هذا الأسلوب.
ولم يمر الشهر وأنهيت الخطبة ، ولأول مره يوافقني أبي علي قراري ، غيرآسفة عليه.
صغيرتي الجميلة :
أذا عرف السبب ، بطل العجب، فلكل منا ألم يخفيه ، قصة لو عرفتها لأشفقت على صاحبها،
فلا تدري ماذا تخفي الابتسامة والصورة المبهجة ، ربما يتوارى خلفها حزن وألم دفين.
ثلاث تجارب نتيجة حظ عاثر ، لثلاث شخصيات لا يصلح أي منهم لبناء البيت، الطماع ، الريفي المتشدد، وأما المنفتح متعدد العلاقات ،حريم كريم وغيرهم ،فأيضا لن يصلح لبناء البيت والأسرة.
لم تكن ثلاث خطبات فاشلة، بقدر ما كانت ثلاث مرات نجحت فيها عزيزتي في اكتشاف ما لا يناسبك ، ثلاث تجارب كشفت لك مبكرا عدم التوافق ،قبل فوات الأوان، لقد نجوت عزيزتي من ثلاث زيجات غير مناسبة .
فلك كل الحق في وقت كاف تهدأ نفسك، تعيدي ترتيب أوراقك، مستقبلك ودراستك،ليصبح قرارك أكثر حكمة وروية.
وحديثي لوالدك صاحب العلم والمنصب ، لا ترمي ابنتك للجحيم ، بالزواج سريعا لمن يتقدم، يا أبي لا تجعل خوفك علي أبنتك سببا في أن تختار لها حياة لا تستطيع هي أن تعيشها.
فلن يعيبنا تأخر سن زواج البنات،لن يعيبنا أصلا عدم زواجها.
أعلم أنك تخاف عليها تتعجل الفرح ، تأمل في زوج يحميها ويرعاها ، ولكن عليك التروي ، وعدم العجلة، الاستماع لابنتك ، احتوائها،وليكون قرار الزواج قرار مشترك بينكم .
فالخطبة ليست سباقا نحو الزواج أو التزاما بإتمامه، والزواج ليس بجائزة يجب أن نحصل عليها سريعا ،بل مساحة لاكتشاف مدي صلاحية الطرفين للحياة المشتركة ، فترة نتعارف فيها ، نتقارب، واذا لم ننجح في الوصول لنقاط تفاهم وقبول، فلكل منا طريق .
وهذا لا يعيب الفتاة ولا الشاب، أصبح البحث عن الشخص المناسب للفتاة أو الشاب مهمة ليست هينة ، أطل فترة الخطبة عام كامل، تمهل، ادرس شخصية زوج المستقبل ، بدقة ، فهي حياة كاملة ستحياها أبنتك ، فلتجعلها تختار وتقبل بمن سيشاركها مسيرة حياة وعمل وتربية أبناء.
تمهل لتختارحياة سعيدة لها مع شخص صالح يرعاها ويسعدها ،هو الأجدر بها بعيدا عن مهنته وعائلته ، والمستوي الأجتماعي المرتفع .
حفظ الله بناتنا جميعا من كل سوء.
وما زالت الحكايات مستمرة، وللحديث بقية.
صباح عاصم.. رئيس مجلس ادارة جمعية بداية للأعمال الخيرية




