مصر… دعوة الأنبياء قبل طوفان الهلاك

بقلم: حسن مشعل
في لحظاتٍ فارقة من تاريخ الأمم، حين تتشابك الأزمات وتضيق مساحات الأمل، تظهر الدول التي تمتلك من الحكمة والرؤية ما يؤهلها لأن تكون صوتًا للنجاة لا طرفًا في الصراع. وفي هذا السياق، تبرز مصر ليس فقط كدولة ذات ثقلٍ سياسي، بل ككيانٍ حضاري يحمل إرثًا عميقًا من دعوات الأنبياء إلى الحق والعدل والسلام.
لم تكن مصر يومًا مجرد حدودٍ جغرافية، بل كانت عبر العصور موطنًا لرسالاتٍ سامية، ومأوىً للأنبياء، ومنبرًا للقيم الإنسانية التي تدعو إلى المساواة بين البشر دون تمييزٍ على أساس الدين أو العرق أو المعتقد. ومن هذا الامتداد التاريخي، تنطلق مصر اليوم لتجدد دورها، حاملةً راية السلام الشامل والعادل، وساعيةً إلى إخماد نيران النزاعات التي أرهقت الشعوب واستنزفت مقدراتها.
إن المبادرات المصرية في مجال السلام لا تنطلق من مصالح ضيقة أو حسابات آنية، بل من إدراكٍ عميق بأن استقرار العالم لا يتحقق إلا بإرساء العدل، ووقف نزيف الدم، ومحاربة الفوضى التي تهدد كيان الدول والمجتمعات. إنها دعوة صادقة لإحياء الإنسان قبل الأرض، وبناء مستقبلٍ تسوده الطمأنينة بدل الخوف، والوحدة بدل الانقسام.
ورغم هذا الدور المحوري، تواجه مصر تحدياتٍ معقدة، تتراوح بين ضغوط اقتصادية ومحاولات مستمرة لعرقلة مسيرتها أو جرّها إلى صراعات لا تخدم استقرارها ولا مصالح شعوب المنطقة. وكثيرًا ما تُقابل جهودها بالتجاهل أو حتى بالتشكيك، في مشهدٍ يعكس حجم التحدي الذي تتحمله دولة اختارت أن تكون صوتًا للحق في زمنٍ يعلو فيه صخب المصالح الضيقة.
ومع ذلك، تواصل مصر مسيرتها بثبات، مستندةً إلى رصيدٍ من الحكمة والتريث في اتخاذ القرار، وإلى إيمانٍ راسخ بأن السلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالحوار، ويُصان بالعدل. إنها تدرك أن طريق الإصلاح طويل، وأن بناء جسور الثقة بين الأمم يتطلب صبرًا ورؤيةً تتجاوز اللحظة الراهنة.
وفي خضم هذا المشهد، تبدو مصر كأنها السفينة التي تمضي بثبات وسط أمواجٍ متلاطمة، تدعو الجميع إلى الصعود قبل أن تتفاقم الأزمات. ليست دعوةً للهيمنة، بل نداءً للنجاة المشتركة، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل إنسانٌ يسعى للحياة بكرامةٍ وأمان.
إن مصر، رغم ما تعانيه من أعباءٍ اقتصادية وتحديات داخلية، لا تزال تمد يدها بالعطاء، وتؤمن بأن دورها الإقليمي والإنساني لا ينفصل عن هويتها التاريخية. ستظل “أم الدنيا” التي تحتضن الجميع، وتدعو إلى السلام بإخلاص، وتدفع ثمن مواقفها بثباتٍ وإيمان.
وفي النهاية، تبقى مصر أكثر من مجرد دولة؛ إنها فكرة، ورسالة، ودعوة مستمرة قبل أن يبلغ العالم نقطة اللاعودة. فمن استجاب لنداء السلام، فقد اختار طريق النجاة، ومن أعرض، فإنه يغامر بمستقبلٍ قد لا يرحم تردد المتأخرين.




