ليست كلُّ يدٍ ممدودةٍ للسلام بريئة.. بقلم الاعلامية هدى زوين 

 

لم يعد السلام يُقاس بما يُقال عنه، بل بما يُخفى خلفه. فالكلمات قد تُتقن دورها في طمأنة السامعين، لكنها لا تكشف دائمًا حقيقة النوايا. تُمدّ الأيادي، وتُرسم ابتسامات مطمئنة، غير أن ما يقف وراء هذا المشهد قد يكون أبعد ما يكون عن الصفاء الذي يُعلَن. فبين الخطاب وما يُضمر، تتشكل فجوة لا يراها إلا من يتأمل بوعي.

ليست المشكلة في السلام بحدّ ذاته، بل في الطريقة التي يُقدَّم بها، وفي الأطراف التي ترفعه شعارًا. فحين تتحول اللغة إلى أداة تجميل، تُخفى خلفها حقائق أكثر قسوة، يصبح السلام قناعًا ناعمًا لوجوهٍ لم تغيّر طبيعتها، بل أتقنت فقط إخفاءها. وهنا تبدأ المأساة: حين نُحسن الظن دون تمحيص، ونمنح الثقة دون حراسة.

كم من مرةٍ رُفعت رايات السلام، بينما كانت الأيادي الأخرى تُعدّ لما يناقضه؟ وكم من خطابٍ بدا إنسانيًا في ظاهره، لكنه كان ممهّدًا لهيمنةٍ صامتة؟ إن أخطر ما في هذا المشهد ليس الخداع بحدّ ذاته، بل قابلية البعض لتصديقه، والركون إليه دون مساءلة. فالثقة حين تُمنح بلا وعي، لا تعكس طيبةً بقدر ما تكشف هشاشة.

في السياسة، تُبرم الاتفاقيات على وقع الكلمات المنمّقة، بينما تبقى الوقائع رهينة موازين القوة. وفي الإعلام، تُفسح المنابر لمن يجيد التأثير، لا لمن يلتزم الحقيقة. أما في العلاقات الإنسانية، فكم من مجاملةٍ فُهمت التزامًا، وكم من وعدٍ عابرٍ بُنيت عليه ثقة كاملة. في كل هذه الصور، تتكرر القصة نفسها: يدٌ ممدودة تبدو مطمئنة… لكنها ليست دائمًا بريئة.

إن الإيمان بالخير لا يجب أن يكون على حساب الوعي، ولا النقاء مبررًا للتغافل. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على الكلمات وحدها، بل على وضوح النوايا، وتطابق الأقوال مع الأفعال، وعلى قدرةٍ دائمة على التمييز بين المصافحة الصادقة والمصافحة المشروطة.

ليست الدعوة هنا إلى الشك المطلق، ولا إلى هدم جسور الثقة، بل إلى حمايتها من الانهيار. فالقيم، مهما علت، تحتاج إلى وعي يحرسها، وإلى بصيرة تقيها من أن تتحول إلى أدوات بيد من لا يؤمن بها. لأن اليد التي تمتد للسلام قد تحمل نية صادقة… وقد تخفي خلفها ما لا يُقال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى