مسرحية الثقافة البريئة. بقلم: هدى زوين

منذ العصور الأولى، لم تكن الثقافة يومًا مجرد معلومات تُتداول أو عادات تُمارس بشكل عابر، بل كانت منظومة متكاملة تُشكّل هوية الإنسان ووعيه، وتُصاغ عبر أجيال تربّت على القيم والمبادئ، فتوارثت الحرف كما توارثت السلوك، وكتبت تاريخها من خلال كتبٍ حملت بين سطورها ذاكرة الأمة، ورموزها، ولغتها التي تبدأ من الألف ولا تنتهي عند الياء، بل تمتد إلى عمق الانتماء.
في تلك المرحلة، كانت الثقافة أشبه بجدارٍ صلب يحمي الهوية، ويصون الفكر من التشتت، ويغرس في الإنسان معنى الانتماء الحقيقي، حيث لا تناقض بين العقيدة والسلوك، ولا فجوة بين ما يُقال وما يُمارس.
لكن بمرور الزمن، ومع انفتاح العالم على بعضه، بدأت ملامح أخرى تتسلل بهدوء. لم يعد المشهد الثقافي واحدًا، بل أصبح ساحة واسعة تتقاطع فيها التيارات، وتتشابك فيها المفاهيم، فدخلت ثقافات غربية متعددة، حملت معها أنماط حياة مختلفة، وأفكارًا جديدة، ورؤى قد تبدو في ظاهرها تطورًا وانفتاحًا، لكنها في العمق أحدثت اهتزازًا في بعض الثوابت.
وهنا بدأ التحول الحقيقي، ليس في دخول الثقافات بحد ذاته، بل في طريقة استقبالها. فبين مؤيد يراها ضرورة للتطور، ورافض يخشى على الهوية من الذوبان، نشأ جيل يعيش حالة من التذبذب الثقافي، لا هو تمسّك بجذوره بالكامل، ولا هو اندمج دون قلق.
ومع هذا التداخل، تحوّلت بعض المفاهيم تدريجيًا، حتى باتت الثقافة في نظر البعض مجرد “مظهر” أو “موضة فكرية”، تُستعار كما تُستعار الأزياء، وتُبدَّل بحسب الاتجاهات، دون التوقف عند سؤال الهوية: من نحن؟ وماذا نريد أن نكون؟
الخطورة في هذا المشهد ليس الاختلاف، بل فقدان البوصلة. عندما تتحول الثقافة من وعيٍ يبني الإنسان إلى مسرحٍ يُؤدَّى عليه دورٌ جاهز، هنا تصبح “مسرحية الثقافة البريئة” عنوانًا لواقعٍ يختلط فيه الحقيقي بالمصطنع، والوعي بالتقليد، والانتماء بالانبهار.
ومع ذلك، لا يمكن رفض الانفتاح الثقافي بشكل مطلق، فالتبادل الحضاري سنة من سنن الحياة، لكن الخطورة تكمن حين يتم استيراد الأفكار دون فلتر، واستقبالها دون وعي، وتركها تعيد تشكيل الوعي الجمعي بعيدًا عن الجذور.
الثقافة الحقيقية ليست في الانغلاق، ولا في الذوبان، بل في القدرة على التمييز؛ أن نأخذ ما يُضيف لنا دون أن نفقد أنفسنا، ونتطور دون أن نتنازل عن هويتنا، وأن نبقى أبناء جذور لا تنكسر أمام الرياح مهما اشتدت.
وهنا يبقى السؤال معلقًا أمام كل جيل: هل نحن من نصنع ثقافتنا بوعي، أم أننا نكتفي بأداء أدوار كُتبت لنا في مسرح لا نعرف من كتب نصّه؟



