ا.د محمد توفيق محمد
عميد كلية الاداب – جامعة سوهاج

منذ فترة ؛ تسعي الحكومات المصرية المتعاقبة للتغلب على مشكلات القاهرة – عاصمة البلاد- غير ان كل مساعيها ومحاولاتها ومسكناتها ؛ وما تم اتباعه من منهجية الترقيع لم يجد نفعا وهو امر بديهي ومتوقع ؛ لتتراكم مع مرور الوقت مشكلاتها ؛ وتتحول الى مشكلات مزمنة؛ ومعضلة كبيرة فى خاطر الحكومة وعقلها تؤرقها فى يقظتها وفى مضاجعها .
ومع ثورة يناير أيقنت الحكومة بحتمية التدخل؛ ولا مفر من ذلك ولكن هذه المرة كان تدخلها بعيدا عن تدخلاتها السابقة انما كان تدخلا جذريا ؛ وهو عدم السعي فى مواجهة مشكلات العاصمة ؛ بل الهروب منها ؛ فكان قرارها هو: أن تظل القاهرة بكل همومها وقضها وقضيضها- كما هي ؛ ليتدخل الزمن فى حل بعضها؛ والدولة فى حل بعضها الآخر – على استحياء !!! مع اقامة عاصمة ادارية جديدة ؛ تراعي كل سلبيات القاهرة وتتلافها .
واظن ان ما تعانيه الجامعات الحكومية القديم منها والجديد منذ فترات او الان او ستظل تعانيه يشبه تماما ما مرت القاهرة به؛ حيث أهُملت مشاكلها دون تدخل فى الوقت الانسب؛ لتتراكم وتتعاظم دون أمل فى حل جذري لها ؛ لاسيما وان تسيير امورها وتنظيم العمل بها ظل معتمدا علي قانونها الذي وضع منذ نصف قرن .!!!
وهنا ان كان من عتاب على الدولة؛ فالعتب الاكبر يقع على المسئولين عن الجامعات ؟ لانه ليس من المقبول تماماً من مؤسسة منوط بها أن تقود التنمية وتتصدر مشهد البحث العلمي – وما يتطلبه ذلك من مواكبتها لكل ماهو حديث ومعاصر للنجاح فى مهمتها وغايتها – يقودها ويتحكم فى مفاصلها قانون وضع منذ اكثر من نصف قرن؛ فاني لها ذلك؟ وكيف لها ان تحقق مهامها العصرية ؟ وهي تقليدية فى كافة جوانبها الادارية وحتى مشاكلها التى كانت تطفو على السطح وتؤرق المسئولين – من حين لآخر ..كانت حلولها ..حلول ترقيعية….ومؤقتة ..ومسكنات… واسعافات اولية؛ ليس الا ؛ اى انها كانت تعالج العرض دون المرض ، كما يقال . ومع مرور الوقت سواء بقصد او بدون قصد اضحت الجامعات الحكومية من وجهة نظر الحكومة معضلة وصداع مزمن وقد اسهم في ذلك منسوبيها فى قبولهم للمسكنات والحلول الترقيعية !!!
وفى ضوء ما سبق ، لم يعد امام الدولة سوي التعامل مع الجامعات الحكومية بمنهجية تعاملها مع عاصمة البلاد وهو ان تتركها وشأنها دون تدخل لتواجه مصيرها المحتوم . .. اما عن البديل فهو كيانات جديدة للجامعات هي الجامعات الاهلية والخاصة ؛ وهو كيانات مرغوبة لكونها كيانات لن ترهقها ماديا بل هي كيانات منتجة – حتى ولو ماديا فقط – دونما التركيز على المخرجات المهمة الاخري – لتصبح الجامعات الحكومية متحفا وتاريخا يتحدث عنه البعض ويتباكي عن أيامها الخوالي.
وعن رغبة الدولة فى احلال الكيانات الجديدة للتعليم العالي بدلا من الجامعات الحكومية فمبرره ان الكيانات الجديدة كلها مناقب – مالية ؛ وانها جامعات انتقائية ؛ تركز على البرامج ذات العلاقة بسوق العمل؛ وانها جامعات مرقمنة ومستدامة ؛ وانها اكثر انضباطا والتزاما؛ وانها جامعات لا يطالب منسوبيها بتحسن اوضاعهم المالية – بل هي تحسن اوضاع الحكومة !!! …لكل هذا سعت الحكومة الى التعجيل بتحجيم وتقليص الجامعات الحكومية بشتي الطرق بداية من تخفيض عدد طلابها وعدم الاهتمام ببنيتها التحتية او دعمها للقيام بمهامها التعليمية والبحثية والخدمية وهذا ما يمكن ملاحظته بقوة عند المقارنة بين جامعتين ( اهلية / حكومية ) يحملان ذات الاسم ويقعان فى نفس الموقع .
واذا كان مامضي هو نظرة الحكومة للجامعات الحكومية ومنهجها الذي اتبعته معها وستظل تتبعه من خلال متابعتي للمشهد ؛ فعلينا ان ننتبه لهذا الامر نحن منسوبيى الجامعات الحكومية – والعمود الفقري للجامعات الاهلية ؛ بالا تكون نظرتنا قاصرة على تعديل اوضاعنا المادية المتردية لكون وضعنا المادي ماهو الا نتيجة وليس مقدمة لتعديل اوضاع الجامعات الحكومية ؛ لذا علينا ان ننظر للجامعة الحكومية ككل وان نقوم بتحديث كافة اركانها التعليمية والبحثية والخدمية وما سيؤدي ذلك من تحسين وتحسن مختلف اوضاعنا بما فى ذلك المالية – مرمانا وغايتنا – وان نصر على ذلك؛ والا نقبل باي ترقيع جديد او مسكنات او زيادات مالية لا تسمن ولا تغني من جوع .
ومن وجهة نظري اقترح قيام كل جامعة حكومية من خلال مجلس جامعتها؛ بطرح تصور لتطوير جامعته بالشكل الذي يضعها فى حالة تنافسية مع غيرها من الكيانات الجديدة ؛ وان يكون هذا الامر شغله الشاغل ، وان يتفرغ له ، واعتقد ان هذا قدره ونصيبه ؛ ومن اهم مهامه فى هذه الفترة التاريخية الحرجة من عمر الجامعات الحكومية ؛ الى جانب قيامه بمهامه التقليدية . وحتى يحقق ما يرنو اليه فعليه ان يسعي لزيادة عدد النقاط الايجابية والمضيئة بها وتعظيم ماهو قائم منها ؛ لاسيما وان لديها من المقومات ما يؤهلها للصدارة بأقل جهد من بنية تحتية وموارد بشرية وسمعة طيبة وقبول مجتمعي وخبرات ادارية ؛ شريطة ان تكون النوايا صادقة وان يعمل الجميع بروح الفريق فى ظل ادارة واعية ومستنيرة – وأن نسعي اولا للزرع ثم لا محالة ستحين لحظة الحصاد؛ والا ننتظر الاحسان والمن من الآخرين .
وعن الحلول الجذرية لاوضاع الجامعات الحكومية فهي تتمثل فى اعادة النظر فى فتح كليات جديدة غير نمطية، وبرامج عصرية؛ مواكبة لاحتياجات سوق العمل ، ودمج بعضها ، وتجميد البعض الاخر وتحديث اللوائح ، والاستفادة من مقدراتها ، ووضع قواعد صارمة لادارتها ، وكل ذلك من خلال تغييرالقانون المنظم لها والذي لم يعد صالحاً لاي تطوير، والتنازل طواعية عن هؤلاء الذين يتخذون من الجامعات باباً خلفياً للحصول على المكانة والسمعة والانطلاق منها لآفاق اوسع واشمل وارحب دونما قيامهم بمهامهم المنوطة بهم – وهي اولي فى ضوء فقه الاولويات .
وعليه اقترح ان تسمح الدولة للجامعات بأن تحدث وتعصرن نفسها بما يتفق وطبيعة كل جامعة ومعطياتها الاقليمية ؛ وبما يسهم ذلك في تنمية مواردها الذاتية وتعظيمها حتى يتسني لها تحسين اوضاع منسوبيها وبنيتها ومخرجاتها .
وخلاصة القول؛ ان اردنا أن نحسن اوضاعنا فعلينا أن نسعي لتحسين جامعاتنا؛ بدلا من التسول من فترة لاخري من حكومة قد تمن علينا حينا وترفض غالبا – وهي محقة فى ذلك فى ضوء الظروف التى تمر بها الدولة ؛ وان كان من رجاء من الحكومة الحالية فهي اطلاق يد الجامعات فى اتخاذ مايلزم من تحسين أوضاعها- كي تحقق رؤيتها ورسالتها واهدافها؛ ويتحقق لمنسوبيها حياة كريمة تليق بهم قامة وقيمة وبشكل مستدام دونما ان تتحمل الحكومات مالا تطيق؛ وذلك بالتدخل العاجل بصياغة قانون جديد لتنظيم الجامعات
وحيث ان هذا الامر – تحسين اوضاع الجامعات الحكومية – يحتاج الى وقت ليس بقصير من جراء الاجراءات القانونية والبرلمانية الخاصة بوضع قانون جديد لتنظيم الجامعات ؛ فعلى الدولة اعطاء قبلة الحياة لمنسوبي الجامعات الحكومية من خلال التعجيل بتحسين دخلهم ؛ لا بهدف التحسين فقط ؛الذي اصبح حتميا لتردي غالبية أوضاع منسوبيى الجامعات بشكل مخيف ، ولكن حتى يتمكن هؤلاء من الاشتراك والقدرة فى تحسين اوضاع جامعاتهم ، واستمرار دورها الحيوي فى نهضة البلاد ورقيها وتحضرها وتحضرهم وتحسين اوضاعهم بشكل مستدام ، فان لم يحدث ذلك واستمر تردي اوضاع هذه الفئة الحساسة جدا، فعليهم وعلى جامعاتهم وادوارها السلام ..وهنا ستكون الطامة كبري ، والاثار غير مرضية وسيحل الندم بالجميع وقت لا يتفع فيه الندم ….لذا على الدولة ان تسارع بقبلة الحياة للجامعات الحكومية فى ثوبها الجديد (تغيير جذري للقانون يسمح باهلنة الجامعات الحكومية ) ؛ بدلا من انتظار خبر نعيها، لكون الجامعات الحكومية ؛ هي قبلة الحياة للمجتمع وقبلته وستظل – اي كانت طبيعة الكيانات الجامعية الجديدة .
أقرأ التالي
30 يونيو، 2026
رئيس جهاز السويس الجديدة تتابع تنفيذ مشروعات مياه الشرب بالمدينة..صور
23 يونيو، 2026
بحضور الشيخ خليفة بن ذياب آل نهيان.. افتتاح أول مهرجان عائلي لتشجيع الأطفال على التجارة وريادة الأعمال | صور
22 يونيو، 2026
وزيرة الإسكان تستقبل الكابتن حسين لبيب.. وتؤكد تقديرها الكبير لنادي الزمالك باعتباره أحد أعرق الأندية الرياضية في مصر وإفريقيا
21 يونيو، 2026
هل بنظام البكالوريا…سنودع “بعبع” الثانوية؟!
زر الذهاب إلى الأعلى