الإيجار المنتهي بالتمليك.. هل أصبح بديلًا حقيقيًا لامتلاك الشقة؟

تحقيق: عادل عيد

 

مع اقتراب عام 2026 من نهايته، اتجهت الدولة إلى طرح وحدات سكنية للمواطنين من محدودي ومتوسطي الدخل بنظام الإيجار المنتهي بالتمليك، في تجربة تستهدف تقديم مسار مختلف للحصول على السكن، وتخفيف الأعباء المالية المرتبطة بالشراء، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الوحدات السكنية وصعوبة توفير مقدمات التملك بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب والأسر.

 

ويأتي هذا الطرح داخل المدن الجديدة والمحافظات، في إطار البحث عن آليات تمويلية وسكنية أكثر مرونة، تتيح للمواطن الحصول على وحدة سكنية والانتفاع بها مقابل سداد قيمة إيجارية، مع إمكانية الوصول إلى التملك وفقًا للضوابط والشروط والآليات التي يحددها النظام المطبق.

وقد تبدو الفكرة بسيطة للوهلة الأولى؛ يحصل المواطن على الوحدة، ويدفع مقابلًا شهريًا للانتفاع بها، ثم ينتقل في نهاية المطاف إلى مرحلة التملك وفق القواعد المنظمة. لكن خلف هذه المعادلة البسيطة تبرز مجموعة من الأسئلة التي تشغل الراغبين في الاستفادة من هذا النظام.

 

هل كل جنيه يدفعه المواطن كإيجار يقرّبه بالفعل من امتلاك الوحدة؟ وهل يعرف المواطن منذ توقيع العقد إجمالي ما سيدفعه حتى يصبح مالكًا؟ وهل قيمة الإيجار ثابتة طوال مدة التعاقد أم قابلة للزيادة؟ وماذا يحدث إذا تغيرت الظروف الاقتصادية للأسرة أو طرأت زيادة على قيمة الوحدة؟

 

وتتسع دائرة التساؤلات لتشمل مصير المواطن في حال تعثره عن سداد الأقساط أو الإيجار، وطبيعة حقوقه والتزاماته خلال فترة الانتفاع، وما إذا كان يستطيع الانسحاب من التعاقد أو استرداد ما سدده، فضلًا عن موقف الوحدة من التوريث، والضمانات القانونية التي تحمي الطرفين، وكيفية احتساب القيمة النهائية التي تنتقل بعدها ملكية الوحدة إلى المواطن.

 

وفي ظل تزايد الحاجة إلى حلول سكنية تتناسب مع القدرات المالية للمواطنين، تفتح تجربة الإيجار المنتهي بالتمليك بابًا واسعًا للنقاش حول مدى قدرتها على تحقيق المعادلة الصعبة بين إتاحة السكن، وتخفيف أعباء التملك، وضمان حقوق المواطن والدولة في الوقت نفسه.

 

«مجلة العمل» التقت عددًا من الخبراء والمتخصصين في ملف الإسكان والعقارات والقانون، للوقوف على تفاصيل نظام الإيجار المنتهي بالتمليك، وحقوق المواطنين والتزاماتهم، وآليات السداد والتملك، وأبرز الضوابط التي ينبغي أن يعرفها المواطن قبل الإقدام على التعاقد، وذلك من خلال التحقيق التالي.

 

10 آلاف وحدة بنظام الإيجار المنتهي بالتمليك

 

في البداية، يقول المهندس كمال بهجات، نائب رئيس صندوق الإسكان الاجتماعي: تم البدء في استقبال طلبات المواطنين الراغبين في الحصول على وحدات سكنية بنظام الإيجار المنتهي بالتملك، ضمن الطرح الجديد الذي يتضمن 10 آلاف شقة لمحدودي الدخل، مع إتاحة التقديم إلكترونيًا من خلال بوابة «مسكن» وفقًا للقواعد المحددة في كراسة الشروط.

 

وأضاف بهجات: يأتي هذا الطرح بالتعاون بين هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وصندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، مشيرًا إلى أنه تم بدء الحجز بالمشروع منذ يوم 20 سبتمبر حتى 28 أكتوبر الجاري لجميع المواطنين، بمن فيهم ذوو الاحتياجات الخاصة.

 

وعن طريقة حجز شقق الإيجار التمليكي 2026، أكد بهجات أنه يتم التقديم على الوحدات إلكترونيًا عبر بوابة «مسكن»، وذلك بعد الاطلاع على كراسة الشروط والتأكد من استيفاء الضوابط المطلوبة، موضحًا أنه تم طرح عدد 10 آلاف وحدة بنظام الإيجار المنتهي بالتمليك موزعة على 26 مدينة جديدة، منهم 5 آلاف شقة جاهزة على التسليم الفوري.

 

ونوّه نائب رئيس صندوق الإسكان الاجتماعي إلى أن مساحات الوحدات المنفذة تتراوح بين 57 و161 مترًا مربعًا، بينما تتراوح مساحات الوحدات المزمع تنفيذها بين 90 و126 مترًا مربعًا، مشيرًا إلى أنه يتم توزيع الوحدات وفقًا لشرائح الدخل الإجمالي ومحل إقامة المتقدم، على أن تحدد كراسة الشروط الأسعار والقيم الإيجارية ونظم السداد والتخصيص.

 

وأوضح بهجات أن القيمة الإيجارية الشهرية للوحدات المطروحة تتراوح بين 1500 و2000 جنيه، بحسب مساحة الوحدة وموقعها، كما يتيح صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري دعمًا للإيجار يصل إلى 100 ألف جنيه كحد أقصى، وفقًا لمستوى دخل المستفيد ومساحة الوحدة، وذلك خلال مدة الإيجار المحددة.

 

ويرى الدكتور سيف فرج – خبير عقاري، أن نظام الإيجار والإيجار المنتهي بالتملك يلبي احتياجًا حقيقيًا لدى الشباب، خصوصًا حديثي الزواج، الذين قد لا يستطيعون توفير مقدم حجز أو تحمل الأقساط الكبيرة في أنظمة التملك التقليدية. واعتبر أن تدخل الدولة بهذا النظام يوفر فرصة لتكوين أسرة والحصول على مسكن مناسب.

 

وأشار فرج إلى أن نظام الإيجار المنتهي بالتمليك ليس نظامًا مستحدثًا في مصر في 2026 بالمعنى المطلق. فصندوق الإسكان الاجتماعي سبق أن وثّق «محور الإيجار» ضمن برامجه، وكانت إحدى الصيغ تتيح استئجار الوحدة لمدة 7 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، مع إمكانية التملك خلال أو بعد انتهاء فترة التأجير، وفق الشروط المحددة وقتها.

 

وأوضح الدكتور سيف فرج أن الفارق الجوهري بين نظام الإيجار المنتهي بالتمليك والإيجار العادي هو أن الإيجار العادي يظل علاقة إيجارية فقط، بينما الإيجار المنتهي بالتمليك يجمع بين الانتفاع بالوحدة خلال فترة الإيجار وبين إمكانية انتقال الملكية وفقًا لشروط العقد ،كما أن الإيجار المنتهي بالتمليك ليس هو نفسه التمليك التقليدي، وليس هو نفسه التمويل العقاري التقليدي. بل إن «الإجارة المنتهية بالتملك» نفسها تُعد إحدى صيغ التمويل العقاري التي نظمها القانون المصري. قانون التمويل العقاري رقم 148 لسنة 2001 عرّف «الإجارة» بأنها تأجير العقار الذي ينتهي بالتمليك، كما نظمت هيئة الرقابة المالية هذه الصيغة ضمن آليات التمويل العقاري.

 

المهندس خالد عاطف – خبير التقييم العقاري، يقول: النظام يمكن أن يحقق إقبالًا من الشباب بسبب غياب مقدم الحجز ووجود التزام شهري أكثر توافقًا مع دخولهم. كما يرى إمكانية استفادة الأسر الموجودة في وحدات الإيجار القديم من هذا النوع من الطروحات إذا توسعت الدولة فيه.

 

وأضاف عاطف: من أبرز الضوابط والشروط للحصول على هذه الوحدات أن يكون المتقدم مصري الجنسية وشخصًا طبيعيًا، وألا يكون المتقدم أو أسرته قد استفادوا من وحدة سكنية أو قطعة أرض أو دعم سكني آخر من الدولة بالمخالفة لشروط الاستحقاق، وألا يقل السن عن 21 سنة، ولم يُشترط وجود حد أقصى للدخل الشهري، على أن يتحدد هذا الحد في ضوء القيمة الإيجارية للوحدات.

 

وأوضح أن الإعلان لا يحصر الاستحقاق في المتزوجين فقط؛ بل يتعامل مع الأسرة باعتبارها الزوج والزوجة والأولاد القصر، كما أن الوزارة أعلنت أن النظام يستهدف توفير بدائل سكنية لمختلف الشرائح، مع الإشارة تحديدًا إلى تيسير حصول الشباب وحديثي الزواج على السكن.

 

مطالب بتحديد قيمة الإيجار ومدة التملك وضوابط التعثر

ويرى المهندس محمود غيث – رئيس الجمعية المصرية للتخطيط العمراني، أن الإيجار والإيجار المنتهي بالتملك يمثلان خطوة مهمة للسوق والفئات منخفضة الدخل، لكنه يشير إلى أن عدد الوحدات المطروحة لا يتناسب مع حجم الاحتياج، ويدعو إلى زيادة عدد الوحدات في المدن الجديدة والمحافظات إذا أثبتت التجربة نجاحها.

 

وطالب غيث بفتح المجال أمام القطاع الخاص لتنفيذ مثل هذه المشاريع مع وضع ضوابط وآليات واضحة لتحديد الأسعار وعدم رفع سعر تكلفة هذه الوحدات، مشيرًا إلى أن الدولة لديها أراضٍ شاسعة ولا ينقصها سوى الترفيق حتى يتم التنفيذ على أرض الواقع.

 

وطالب المهندس محمود غيث الدولة بضرورة الإعلان مسبقًا لجميع المتقدمين عن المدة الزمنية التي ستتاح لهم لتملك الوحدة، وتحديد القيمة الإيجارية ومصروفات الصيانة بحسب مساحة ومكان كل وحدة، ومعرفة قيمة الزيادة المقررة في القيمة الإيجارية.

 

ووجّه غيث إلى ضرورة حسم عدد من النقاط في النظام المطروح، منها تحديد موقف المتعثرين في سداد قيمة الإيجارات، وهل سيتعرض الشخص المتعثر لسحب الوحدة فورًا، وكذلك الحال بالنسبة للمواطنين الذين ينسحبون من عملية التخصيص، وتحديد الجهة الممولة والمتعاملة مع الحاجزين، سواء كانت وزارة الإسكان أو البنوك أو شركات التمويل العقاري.

 

وقال غيث إن وفاة المواطن الحاجز في المشروع لا تعني تلقائيًا ضياع الوحدة أو كل المبالغ التي سددها؛ لكن الحكم النهائي يتوقف على طبيعة العقد وشروطه والجهة المالكة ونظام التأمين إن وجد، ويجب معرفة ما إذا كان العقد ينص على استمرار التعاقد مع الورثة، وهل يحق لهم استكمال الأقساط والتملك، أم توجد آلية أخرى عند الوفاة.

 

ويرى غيث أنه يجب التعامل مع تعثر حاجز وحدة الإيجار التمليكي في سداد الإيجار من خلال البنك وليس الصندوق، كما يتم سداد قيمة إيجار 3 أشهر مقدمًا لتلافي حدوث أي مشكلات في حال تأخر الساكن عن سداد القيمة الإيجارية.

ونوّه إلى أنه إذا كان هناك تأمين على حياة المستفيد مرتبط بالتمويل، فقد تتحمل شركة التأمين الرصيد أو الالتزامات المتبقية وفق شروط وثيقة التأمين، أما إذا لم يوجد تأمين، فقد تنتقل الحقوق والالتزامات المالية إلى التركة/الورثة وفق طبيعة العقد والقانون الواجب التطبيق.

 

وفي النهاية، فإن نجاح أي تجربة الإيجار المنتهي بالتمليك لا يقاس فقط بعدد الوحدات المطروحة، وإنما بمدى قدرة المواطن على فهم ما سيدفعه، وما سيحصل عليه، ومتى يصبح مالكًا، وما الذي يحدث إذا تغيرت ظروفه قبل الوصول إلى التملك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى