حين تتحول الأمومة إلى وجع.. طفل بريء يدفع ثمن خلافات الكبار

بقلم: د. نسرين منصور
مستشار أسري وتربوي
هناك مشاهد لا ينبغي أن تمر أمام أعيننا مرور الكرام، ولا أن نكتفي بمشاهدتها ثم نواصل حياتنا وكأن شيئًا لم يحدث؛ لأنها لا تؤلم أعيننا فقط، بل تضع ضمائرنا أمام سؤال قاسٍ: كيف يمكن لقلبٍ أُودعت فيه غريزة الأمومة أن يؤذي قلبًا صغيرًا لم يعرف بعد كيف يحتمي من الألم؟
شاهدتُ مشهدًا لطفل رضيع يتلقى ضربات على وجهه من أمه، بينما يبدو في البداية وكأنه لا يفهم ما يحدث، وكأنه يظن أن ما يجري مجرد مداعبة، حتى يدرك الألم ويبدأ في الصراخ.
مشهد موجع، لا لأن الطفل بكى فحسب، بل لأن اليد التي كان من المفترض أن تكون مصدر أمانه أصبحت مصدر خوفه.
ووفقًا لما يُتداول عن الواقعة، فإن الفيديو أُرسل إلى الزوج في سياق خلاف بينهما. وإذا صح ذلك، فنحن أمام كارثة إنسانية وتربوية تتجاوز حدود الخلاف الزوجي؛ لأن هناك فرقًا شاسعًا بين شخصين يختلفان، وطفل بريء يُدفع إلى قلب هذا الخلاف دون ذنب.
يا سيدتي، زوجكِ ليس هو طفلكِ، وطفلكِ ليس خصمًا لزوجكِ!
إذا اختلفتِ مع زوجكِ، فتحدثي معه، واجهي المشكلة، اطلبي حقكِ، ابتعدي إن لزم الأمر، واستعيني بمن يستطيع مساعدتكِ.
لكن إياكِ أن تجعلي طفلًا عاجزًا عن حماية نفسه وسيلةً لإيصال رسالة غضب، أو أداةً للانتقام، أو شاهدًا على صراع لا يفهم أسبابه.
فالطفل لا يعرف مَن المخطئ في الخلاف، ولا يفهم أسباب الغضب، ولا يستطيع أن يشرح لأحد ما يشعر به. إنه لا يعرف سوى وجه أمه، وصوتها، واحتضانها، والأمان الذي يفترض أن يجده بين ذراعيها.
فكيف يتحول هذا الأمان إلى خوف؟
وكيف تتحول اليد التي تمسح دموعه إلى يدٍ تتسبب في بكائه؟
وكيف يُطلب من قلب صغير أن يتحمل ألمًا لا تستطيع قلوبنا نحن الكبار مجرد مشاهدته؟
💔 الأمومة ليست حقًّا في امتلاك الطفل.. بل أمانة في حمايته!
إن الله سبحانه وتعالى أنعم على الإنسان بنعمة الأبناء، وجعل الرحمة والرعاية من أعظم معاني المسؤولية تجاههم.
قال الله تعالى:
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
سورة الكهف، الآية 46.
لكن الأبناء ليسوا زينةً نتباهى بها، ولا أوراق ضغط نستخدمها في خلافاتنا، ولا وسيلةً لإيلام الآخرين.
إنهم أرواح صغيرة ائتمننا الله عليها، وواجبنا أن نحفظ أجسادهم ونصون مشاعرهم ونحميهم من الأذى.
والأمومة ليست لقبًا يُمنح بمجرد الولادة، بل مسؤولية تظهر في لحظات الغضب قبل لحظات الفرح، وفي القدرة على ضبط النفس حين تضيق الحياة، وفي حماية الطفل حتى عندما تنهار قدرة الكبار على التفاهم.
ليس كل من أنجب طفلًا أحسن رعايته، وليس كل من حمل لقب الأمومة أدرك عِظَم الأمانة التي يحملها.
وهذه ليست دعوةً لإدانة كل أم تمر بأزمة، ولا تجاهلًا للضغوط النفسية والاجتماعية التي قد تتعرض لها بعض الأمهات؛ بل هي دعوة واضحة إلى طلب المساعدة قبل أن يتحول الغضب إلى أذى، وإلى حماية الطفل دون تبرير العنف أو التقليل من خطورته.
فالمعاناة قد تفسر احتياج الإنسان إلى الدعم، لكنها لا تجعل إيذاء طفل عاجز عن الدفاع عن نفسه أمرًا مقبولًا.
⚖️ خلافات الزوجين لا تمنح أحدهما الحق في إيذاء الطفل!
من أخطر الأخطاء التي يقع فيها بعض الكبار أن يخلطوا بين الخلاف مع الشريك والحق في التصرف بالطفل.
قد ينتهي الزواج، وقد تتعقد العلاقات، وقد تشتد الخلافات، لكن الطفل ليس مسؤولًا عن أيٍّ من ذلك.
لا يجوز استخدامه لإثارة غيرة الطرف الآخر، أو معاقبته، أو تهديده، أو الضغط عليه نفسيًا.
فالطفل ليس ملكية خاصة لأبيه أو أمه، بل إنسان له حق أصيل في الحماية والرعاية والكرامة.
والأبوة والأمومة لا تُقاسان بمن ينتصر في الخلاف، بل بمن يستطيع أن يُبعد الطفل عن نيرانه.
حين ينتقم الكبار من بعضهم بأجساد الصغار، لا يكون المنتصر قد انتصر، بل يكون طفل بريء هو من دفع الثمن.
ماذا لو كان هذا الطفل ابنكِ أنتِ؟
تخيلي أن طفلًا رضيعًا لا يستطيع الدفاع عن نفسه، ولا يعرف كيف يطلب النجدة، ولا يملك سوى البكاء للتعبير عن ألمه، يتعرض للأذى من الشخص الذي يفترض أنه مصدر حمايته.
ماذا لو كان هذا الطفل ابنكِ؟
ماذا لو كان حفيدكِ؟
ماذا لو كان طفلًا في بيتٍ قريب منكِ؟
هل سنظل نتعامل مع الأمر باعتباره مجرد فيديو متداول، أم سندرك أننا أمام قضية تستحق موقفًا إنسانيًا واضحًا؟
إن مسؤوليتنا لا تتوقف عند الغضب والتعليق، بل تمتد إلى رفض العنف ضد الأطفال، وعدم تبريره، والإبلاغ عن حالات الإساءة الحقيقية، والمطالبة بحماية الطفل ومحاسبة المسؤول عن إيذائه وفقًا للقانون.
وإذا كانت الواقعة المتداولة حقيقية، فإن الأولوية ليست لتبادل الاتهامات عبر مواقع التواصل، بل للتأكد من سلامة الطفل، ومنع تكرار الأذى، ووصول الواقعة إلى الجهات المختصة.
فالطفل يحتاج إلى الحماية أكثر مما يحتاج إلى آلاف التعليقات الغاضبة.
🌿 رسالة إلى كل أم وأب
إلى كل أم تقرأ كلماتي:
حين تشعرين بأن الغضب يسيطر عليكِ، ضعي طفلكِ في مكان آمن، وابتعدي عنه لحظات حتى تستعيدي هدوءكِ، واطلبي مساعدة شخص موثوق إذا شعرتِ أنكِ قد تفقدين السيطرة.
وإذا كنتِ تعانين من ضغوط نفسية أو أسرية تفوق قدرتكِ على الاحتمال، فلا تخجلي من طلب الدعم المتخصص.
فطلب المساعدة ليس ضعفًا، بل مسؤولية وشجاعة.
وإلى كل أب:
لا تجعل خلافاتك مع زوجتك سببًا في تعريض طفلك للخطر، ولا تتجاهل أي علامة على تعرضه للأذى. فحماية الأبناء مسؤولية مشتركة، وليست مهمة طرف واحد.
وإلى كل من يشاهد مقطعًا يتضمن اعتداءً على طفل:
لا تجعلوا معاناة الصغير مادةً للتسلية أو وسيلةً لجمع المشاهدات. تجنبوا إعادة نشر المقطع بما يكشف هويته أو يضاعف انتهاك خصوصيته، ووجّهوا الاهتمام إلى حمايته ومساعدة الجهات المختصة على التحقق من الواقعة.
💔 وأخيرًا…
يا من رزقكِ الله طفلًا صغيرًا، تذكري أن هذا الطفل لم يختر أسرته، ولم يختر خلافات والديه، ولم يطلب أن يأتي إلى عالمٍ مليء بصراعات الكبار.
لقد جاء إلى الحياة محتاجًا إلى قلب يحتويه، ويد تحميه، وصوت يطمئنه، وبيت يشعر فيه بأنه آمن.
فلا تجعلي غضبكِ يسرق منه طفولته، ولا تجعلي خلافاتكِ تهدم ثقته بالعالم منذ أيامه الأولى.
فالطفل الذي يمد يده الصغيرة نحو أمه لا يطلب منها أن تنتصر في معركة، بل يطلب منها أن تكون ملاذه الآمن.
الأمومة نعمة، والرحمة مسؤولية، والطفولة أمانة لا يجوز أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات.
ولنرفع جميعًا صوتًا واحدًا: لا للعنف ضد الأطفال، لا لاستغلالهم في خلافات الكبار، ولا لأي مبرر يمنح أحدًا الحق في إيذاء طفل بريء.
فإذا عجز الكبار عن حماية مشاعرهم في لحظة غضب، فليتذكروا على الأقل أن أمامهم قلبًا صغيرًا لا يملك من أمره شيئًا، وأن حمايته ليست خيارًا، بل واجب إنساني وأخلاقي وقانوني.




