أصحاب الهمم… أرواحٌ تستحق من الحياة أكثر

بقلم الكاتبة هدى زوين
ليست الحياة متشابهةً في وجوهها، ولا عادلةً دائمًا في تفاصيلها؛ فبينما يعبر بعض الناس طرقها بيسر، يجد آخرون أنفسهم أمام مسارات تتطلب منهم جهدًا مضاعفًا، لا لأن أحلامهم أقل، ولا لأن طموحاتهم محدودة، بل لأن العالم لم يُصمَّم دائمًا ليكون متّسعًا للجميع. وفي المسافة بين ما يحتاجونه وما يُتاح لهم، تتشكّل حكايات إنسانية تستحق أن تُقرأ بعين الإنصاف، لا بنظرة الشفقة.
أصحاب الهمم ليسوا استثناءً من الحياة، ولا فئةً تقف على هامش المجتمع، بل هم جزء من نسيجه وامتداده الإنساني؛ لهم رغباتهم، وأحلامهم، وحقهم في العمل والتعلّم والاستقلال والمشاركة. غير أن بعض المجتمعات ما زالت تنظر إلى اختلافهم من زاوية العجز، متجاهلةً أن كثيرًا من العوائق لا تسكن الأجساد، بل تصنعها البيئات غير المهيّأة، والأفكار الضيقة، والفرص التي لا تُمنح بالتساوي.
ولعلّ أكثر ما يستحق المراجعة ليس اختلاف قدرات الأفراد، بل المعايير التي اعتاد المجتمع أن يقيس بها قدرتهم على الحضور والمشاركة. فكم من موهبةٍ بقيت خلف بابٍ لم يُهيّأ لفتحها؟ وكم من طموحٍ تعثّر لأن الطريق لم يكن ممهّدًا، لا لأن صاحبه لم يكن قادرًا على بلوغه؟ إن غياب التسهيلات، وضعف فرص التعليم والعمل، والنظرات الاجتماعية التي تختزل المرء في ظروفه، جميعها عوائق قد تكون أشد وطأةً من التحديات التي يُفترض أنها مصدرها.
وهنا يبرز سؤال لا ينبغي أن نمرّ عليه مرورًا عابرًا: هل تكمن المشكلة في اختلاف قدرات بعض الأفراد، أم في مجتمعٍ لم يتعلّم بعد كيف يتّسع للجميع؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تضعنا أمام مسؤولية تتجاوز الكلمات الوجدانية والمواقف الموسمية. فالتعاطف، على أهميته، لا يكفي ما لم يتحوّل إلى ثقافة إنصاف، وما لم تُترجم المشاعر إلى حقوق وفرص وبيئة تحفظ استقلالية أصحاب الهمم وكرامتهم. ليس من العدل أن نحتفي بإرادتهم في المناسبات، ثم نتركهم أمام أبواب مغلقة في تفاصيل الحياة اليومية؛ وليس من الإنصاف أن نصفهم بالقوة، بينما نعفي المجتمع من مسؤوليته في إزالة العوائق التي تواجههم.
كما أن احترامهم لا يعني وضعهم في قالبٍ مثالي، أو مطالبتهم بأن يكونوا أبطالًا في كل يوم حتى يستحقوا التقدير؛ فهم بشر، لهم لحظات ضعفهم وقوتهم، نجاحاتهم وإخفاقاتهم، ومن حقهم أن يعيشوا حياةً طبيعيةً لا يُطلب منهم فيها إثبات استحقاقهم للحقوق الأساسية في كل مرة.
إن المجتمعات المتحضّرة لا تُقاس بمدى رعايتها لمن تتشابه قدراتهم مع معاييرها، بل بقدرتها على احتضان الاختلاف دون انتقاص، وإتاحة الفرص دون تمييز. فالكرامة ليست مكافأةً على إنجاز، والحق في الحياة الكريمة لا يحتاج إلى شهادة استثنائية كي يصبح مستحقًا.
وفي النهاية، لعلّ أصحاب الهمم لا يحتاجون إلى عالمٍ ينظر إليهم بحزن، بقدر ما يحتاجون إلى عالمٍ ينظر إليهم بإنصاف. عالمٍ لا يجعل اختلافهم عائقًا أمام حضورهم، ولا يحوّل حقوقهم إلى مطالب مؤجلة، بل يدرك أن الإنسانية تفقد شيئًا من معناها كلما تُرك أحدٌ خلف الطريق. فليس الاختلاف ما يكشف قصور المجتمعات، وإنما الطريقة التي تتعامل بها معه؛ وهناك، تحديدًا، يُختبر رقيّ الإنسان وصدق الحضارة.




