يوسف سلطان يقرأ الحكاية الشعبية الصربية بالعربية

القاهرة – من عادل عيد

نقل نص أدبي من لغته الأصلية إلي لغة أخرى مهمة صعبة جدا ولا يتصدى لها كثيرون، خاصةً أن الترجمة لا تعد مجرد رص كلمات، بل هي أدب موازي للنص الأصيل.

ولا يدخل القارئ العربي إلى الأدب الصربي كثيراً. في رفوف الترجمة العربية، تتكرر الأسماء الإنجليزية والفرنسية والروسية، بينما يظل أدب البلقان في منطقة شبه معتمة. لذلك تبدو النسخة العربية التي قدّمها الكاتب والمترجم الشاب يوسف سلطان من «Srpske narodne pripovijetke» عملاً لافتاً، لا لأنها تضيف كتاباً جديداً فقط، بل لأنها تفتح باباً على مخيال شعبي لا يعرفه معظم القراء العرب.

الكتاب، الذي جمع مادته فوك كارادجيتش في القرن التاسع عشر، ينتمي إلى لحظة مهمة في التاريخ الثقافي الصربي. لم تكن الحكايات الشعبية وقتها مجرد قصص تُروى في البيوت والقرى، بل كانت طريقة لحفظ اللغة والذاكرة والعادات. ومن هنا تأتي قيمتها: إنها نصوص بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل داخلها تصوراً كاملاً عن الإنسان والسلطة والقدر والنجاة.

 

في هذه الحكايات لا يظهر البطل دائماً كفارس أو أمير. غالباً ما يكون فلاحاً، أو ابناً أصغر، أو رجلاً قليل الحيلة ينجو بالذكاء أكثر مما ينتصر بالقوة. هذا النموذج يمنح القصص طابعاً قريباً من القارئ العربي، الذي يعرف في تراثه الشعبي شخصيات مشابهة تنتصر بالحيلة والصبر لا بالمجد الوراثي.

 

وإذا كان من السهل مقارنة هذه الحكايات بـ «ألف ليلة وليلة»، فذلك ليس بسبب التشابه المباشر، بل بسبب الطريقة التي تتحرك بها القصة: عالم صغير، حدث غريب، اختبار أخلاقي، ثم نهاية تترك وراءها حكمة أو سخرية. بعض النصوص يميل إلى الخيال العجيب، وبعضها إلى الواقعية القاسية، وكثير منها يحتفظ بروح شفوية واضحة، كأنها ما زالت تُروى بصوت شخص جالس في قرية بعيدة.

 

هنا تظهر صعوبة الترجمة. فالحكاية الشعبية لا تعيش بالمعنى وحده؛ تعيش بالنبرة، وبالإيقاع، وبالمفارقة الصغيرة التي قد تضيع إذا جاءت اللغة ثقيلة. في عمل سلطان، تبدو العربية مختارة لتكون لغة حكاية لا لغة شرح. وهذا مهم، لأن القارئ لا يحتاج إلى وسيط أكاديمي يخبره بما عليه أن يفهمه، بل إلى نص يترك الحكاية تعمل بنفسها.

 

ومن خلال هذا الكتاب، تدخل الثقافة الصربية إلى مساحة عربية أوسع. النسخة متاحة عبر منصات مثل Amazon Kindle وOpen Library وGoodreads وNoor Book وFable وTheStoryGraph، ما يجعل الوصول إليها ممكناً لقراء في مصر والخليج وخارج المنطقة. هذا الحضور الرقمي ليس تفصيلاً صغيراً؛ فالأدب الأقل ترجمة يحتاج أولاً إلى أن يصبح قابلاً للاكتشاف.

 

ما يلفت في مشروع سلطان أنه لا يتوقف عند عنوان واحد. خلال سنوات، عمل على تقديم نصوص صربية متعددة إلى العربية، من الحكاية الشعبية إلى السخرية والكتابة الريفية. ومع الوقت، صار هذا الجهد يشكل مساراً واضحاً في تعريف القارئ العربي بأدب ظل بعيداً عنه طويلاً.

 

ليست «القصص الشعبية الصربية» كتاباً سهلاً بالمعنى السطحي. فيها قسوة، وسخرية، وخوف، وحكمة عملية تشبه حكمة الناس الذين تعلموا من الحياة لا من الكتب. وربما لهذا تبدو صالحة للقراءة اليوم: لأنها لا تلمّع العالم، بل تحكيه كما رآه الناس، ثم تترك للقارئ أن يبتسم أو يقلق أو يفكر.

 

في النهاية، ينجح سلطان في أن يجعل الحكاية الصربية مفهومة بالعربية دون أن يسلبها غرابتها الجميلة. وهذه، في الترجمة، ليست مهمة سهلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى