بقلم الدكتور:- إبراهيم حامد عبداللاه
أستاذ الأدب الألمانى-عميد كلية الألسن
رئيس قسم اللغة الألمانية كلية الآداب..
جامعة بنى سويف

في عالم لم تعد فيه الدبابات وحدها من ترسم حدود النفوذ، تتحول الأرقام البنكية، وشبكات الاتصالات، وسلاسل التوريد إلى أسلحة استراتيجية بامتياز. هذا هو الواقع الذي يشرحه كتاب “عنق الزجاجة: القوة الأمريكية في عصر الحرب الاقتصادية”، للمؤلف الأمريكي إدوارد فيشمان. لا يقدم الكتاب مجرد سرد تاريخي للعقوبات الدولية، بل يغوص في الآليات الخفية التي تمنح واشنطن قدرة غير مسبوقة على “الخنق الاقتصادي” لدول كبرى، مستخدمةً هيمنتها على الدولار، والبنية التحتية المالية العالمية، والتكنولوجيا المتقدمة كأدوات ضغط جيوسياسي. في زمن تتشابك فيه السياسة بالاقتصاد، يصير هذا المؤلف دليلاً ضرورياً لفهم كيف تُدار الصراعات الحديثة خلف الكواليس، وفي غرف المقاصة البنكية بدلاً من ميادين القتال التقليدية.
من الموانئ إلى الأنظمة البنكية.. تشريح “عنق الزجاجة”
يعرّف فيشمان مصطلح “عنق الزجاجة” بأنه تلك النقاط الضيقة والحاسمة في الشبكة الاقتصادية العالمية، التي يتدفق عبرها المال، والطاقة، والبيانات، والابتكار. ومن يسيطر على هذه المفاصل، يملك القدرة على شل حركة الخصم دون إطلاق رصاصة واحدة. يوضح المؤلف بوضوح كيف أن العولمة التي بشرت بها التسعينيات بـ”سلام تجاري”، سرعان ما تحولت إلى نقطة ضعف استراتيجية. فالاعتماد المتبادل الذي كان يُنظر إليه كضمانة للاستقرار، أصبح سيفاً ذا حدين. فشبكات مثل “سويفت” للمراسلة المالية، ونظام “شيبس” لتسوية المعاملات بالدولار، وسلاسل إمداد أشباه الموصلات، لم تُصمم لتكون أدوات حرب، لكنها تحولت إلى ترسانة اقتصادية تحت إمرة صانعي السياسات. ويعتمد الكتاب على مقولة وزير الخزانة الأمريكي السابق: “الدولار عملتنا، لكنه مشكلتكم”، ليبيّن كيف أن البنية التحتية غير المرئية للاقتصاد العالمي باتت خاضعة لقرارات تنفيذية في واشنطن، تجعل الخروج من منظومة الدولار كمن يتحرك بلا تصريح أو اعتراف
مختبر العقوبات.. من إيران إلى روسيا والصين
يستعرض فيشمان هذا التحول عبر ثلاث معارك رئيسية شكلت معالم العقد الماضي، مقدماً تحليلاً داخلياً نادراً يعتمد على خبرة المؤلف المباشرة في وزارة الخارجية الأمريكية. فيبدأ بالحملة على البرنامج النووي الإيراني، التي نجحت في تجميد أكثر من 100 مليار دولار من عائدات النفط في حسابات ضمان خارجية، مستخدمةً “العقوبات الثانوية” لإجبار البنوك العالمية على الاختيار بين السوق الأمريكية وطهران. ثم ينتقل إلى العقوبات “الجراحية” على روسيا بعد ضم القرم عام 2014، التي استهدفت الدائرة المقربة من بوتين وأسواق رأس المال، وصولاً إلى غزو 2022 الكامل لأوكرانيا، حيث تم تجميد أصول البنك المركزي الروسي وفرض “سقف سعر” تاريخي على النفط، في محاولة لكسر شريان حياة الاقتصاد الروسي دون إغراق الأسواق العالمية. وأخيراً، يتناول الكتاب الحرب التكنولوجية ضد الصين عبر حصار “هواوي” وقطع سلاسل إمداد الرقائق المتقدمة، مظهراً كيف تحولت ضوابط التصدير إلى سلاح لا يقل فتكاً عن العقوبات المالية. في كل حالة، يبرز المؤلف دور “تكنوقراط العقوبات” الذين صمموا أدوات قانونية ومالية معقدة لتعظيم التأثير وتقليل التكاليف على الغرب.
سيف ذو حدين.. التآكل العكسي ومعضلة العولمة
لكن فيشمان لا يقدم رواية انتصارية سطحية. بل يحذر بوضوح من وهم “القوة اللامحدودة”. فكلما زادت حدة الضغوط، زادت حوافز الخصوم للبحث عن بدائل. فالعقوبات على روسيا دفعت موسكو لتقليل اعتمادها على الدولار، وإنشاء أنظمة دفع بديلة، وتشكيل “أسطول ظل” من الناقلات النفطية لتجاوز الحصار التأميني الغربي. وحرب التكنولوجيا ضد الصين سرّعت من سعي بكين لتحقيق الاكتفاء الذاتي في صناعة الرقائق، بل وأطلقت سوقاً سوداء عالمية للمكونات الإلكترونية، وأظهرت قدرة الشركات الصينية على الالتفاف على القيود عبر شركات وسيطة ودول ثالثة. ويشير المؤلف إلى ما يسميه “المعضلة الثلاثية المستحيلة”: لا يمكن للدول الكبرى الحفاظ في آن واحد على الاعتماد الاقتصادي المتبادل، والأمن الاقتصادي، والمنافسة الجيوسياسية الحادة. النتيجة الحتمية، كما يرى، هي تفتت النظام العالمي إلى كتل اقتصادية متنافسة، ونهاية عصر العولمة المفرطة كما عرفناه، وحلول محلها اقتصاد “هجين” يتسم بالحذر والتكتل.
دروس للمستقبل.. هل يمكن كبح جماح الأسلحة الاقتصادية؟
يطرح الكتاب سؤالاً جوهرياً للمخططين الاستراتيجيين وصناع القرار: هل تستحق الحرب الاقتصادية تكلفتها؟ يجيب بأن النجاح يعتمد على الدقة، والتوقيت، والتحالفات. فالعقوبات التي فُرضت على روسيا عام 2022 نجحت في عزل موسكو مالياً وتقليص عائدات نفطها، لكنها فشلت في ردع الغزو أصلاً، مما يكشف فجوة بين التهديد والتنفيذ، ويؤكد أن الردع الاقتصادي يفشل إذا لم يكن واضحاً وقاطعاً قبل اندلاع الأزمة. وفي هذا السياق، يلمح الكتاب إلى تحديات مماثلة تنتظر المنطقة العربية التي تجد نفسها في قلب هذه المعادلات، بين تقلبات أسواق الطاقة، وضغوط الانحياز إلى معسكرات اقتصادية، والحاجة الملحة لبناء مرونة استراتيجية واستقلالية في سلاسل التوريد والتمويل. فالدول التي لم تعد قادرة على التلاعب بسعر النفط أو فرض العقوبات بمفردها، تجد نفسها مجبرة على التكيف مع واقع جديد يفرضه “عنق الزجاجة”.
يظل كتاب “عنق الزجاجة” أكثر من مجرد تحليل جيوسياسي؛ إنه إنذار استباقي لعالم يتجه نحو “حروب باردة اقتصادية” قد لا تكون أقل وطأة من الصراعات العسكرية التقليدية. يذكّرنا فيشمان بأن السيطرة على التدفقات أصبحت أهم من السيطرة على الأراضي، لكن هذه السيطرة ليست قدراً محتوماً. إنها تتطلب حكمة استراتيجية، واستثمارات داخلية، وتحالفات قوية، وإدراكاً عميقاً لحدود القوة. في عصر تتشابك فيه الأسواق بالمصالح الأمنية، لم يعد فهم الحرب الاقتصادية ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. ومن يقرأ هذا الكتاب بتمعن، سيدرك أن المعركة القادمة قد لا تُخاض بالمدافع، بل بالأكواد البرمجية، وسندات الخزانة، وقرارات غرف المقاصة البنكية. والعبرة ليست في امتلاك السلاح الاقتصادي، بل في معرفة متى وكيف يتم استخدامه، ومتى يجب كفّه عن التصعيد قبل أن يلتهم صانعه نفسه.
أقرأ التالي
7 مايو، 2026
مسرحية الثقافة البريئة. بقلم: هدى زوين
6 مايو، 2026
النائب عمر الغنيمي: تحركات القيادة السياسية تفتح آفاقًا جديدة للاستثمار السياحي وتضاعف تنافسية مصر عالميًا
3 مايو، 2026
الليل مع فاطيما، رواية لـ بريهان أحمد تحاكم المجتمع وتضرب قواعد الزيف
27 أبريل، 2026
الشيخ عابد ابورصاصة ينعي والد الدكتور مصطفى مدبولي
زر الذهاب إلى الأعلى