حكاوي البيسين(١)

تجمعنا جلسات العلاج المائي في البيسين لعلاج مشاكل العظام المتنوعة التي تلمّ بمعظم السيدات – كنت أعتقد كذلك – في البداية .

نلتقي في جلسات علاجية وحسب، لكن في كل جلسة علاج كنا نتقارب في الفكر لنبدأ تجربة إنسانية نسائية فريدة لكل واحدة منا.حكاية زمن توي.

وكأننا بالغوص في الماء نغوص في خبايا النفوس لكل منا، نُلقي الهموم من فوق أكتافنا ومن قلوبنا لنتركها في الماء، لنغتسل من هموم متنوعة ألمّت بنا!!!

نخرج من هذا الملتقى النسائي المائي تاركين في الماء خلاصة تجارب سيدات متنوعة وخبرات سنوات طويلة، نستخلص منها حكم حياة ونظرات أعمق للنفس البشرية .

حتى إنني أشك ،في كثير من الأحيان ،أن الماء أصبح أكثر ثقلًا وربما أغمق لونا، ليس فقط بسبب ممارسة التمارين، ولكن بسبب كمّ المشكلات التي أُلقيت فيه!!!

نسترخي لنبدأ، نبدأ جلسة مصارحة لتجربة حياة مختلفة لكل منا، ولكن يغلفها حزن دفين مشترك بيننا.

نبحث عن حلول داخل الماء، أو للحديث من أجل الحديث والراحة فقط.

تروي إحداهن:

كانت صغيرة، جميلة، أنيقة، تشغل منصبًا مرموقًا ،حين توفي زوجها وترك لها ثلاثة أبناء أطفالًا صغارًا.

تحمّلت المسؤولية، كانت الأم والأب والسند والموجّه والمرشد. إنها تربية الأبناء بكل ما فيها من تعب وتضحيات ، ونجحت لتصل بهم إلى بر الأمان.

وخلال هذه الرحلة، وضمن تنازلات كثيرة، تنازلت عن تكرار فكرة الزواج، كان أملها الوحيد العوض الجميل في الأبناء.

لكنها الحياة… كبر الأبناء، ولكل منهم حلم يسعى لتحقيقه؛ فمنهم من هاجر خارج البلاد، ومنهم أيضًا من سافر داخل البلاد وعمل وتزوج في بلدته الجديدة.

لتجد نفسها وحيدة في بيت تملؤه ذكريات أكثر من 30 عامًا.

تسافرإليهم ، تشاركهم مناسباتهم السعيدة، ثم تعود …تعود إلى بيتها وذكريات عمر عاشته بينهم .

رافضةً كل المقترحات للعيش مع أحد أبنائها ، تنتظر المكالمة والفيديو كول، تنتظر تلك اللحظات التي أصبحت بالنسبة إليها كل الحياة.

تملأ فراغها بأنشطة كثيرة ومتنوعة، ولكن لا شيء يملأ فراغ الأبناء.

وتنوعت الحلول والمقترحات من أقترحت أن توفر لنفسها سكنا مستقلا بالقرب من أحد الأبناء، لتحافظ على خصوصيتها وخصوصية حياة الأبناء في الوقت نفسه .

ويوجد من اقترحت عليها الزواج مرة أخرى، للبحث عن ونيس لحياتها، ليتشاركا سويًا لحظات الحياة بدلًا من وحدة قاتلة، فما زالت جميلة وزادها العمر نضجًا وفهمًا أعمق للحياة.

 

عزيزتي الجميلة، كنتِ أمًّا مثالية، ضحيتِ بالكثير من أجل الأبناء، وأنعم الله عليكِ من فضله بشباب صالحين، يصلونكِ ولم يتخلوا عنكِ .

ولكنكِ رفعتِ سقف توقعاتك منهم، فلن يتخلى أحد منهم عن حلم يخطط له، ولن يتخلى أحد منهم عن أهداف رسمها وأسرة كوّنها، ليظل في نفس البيت وفي نفس المكان.

عليكِ أنتِ أن تتحركي وتتركي الماضي وذكرياته، فهي محفورة، عزيزتي، في قلبكِ وعقلكِ،ولن يمحوها انتقالك إلي مكان آخر.

تقبلي الواقع الجديد، واختاري المكان المناسب والأقرب لنفسكِ، ولا تترددي في الانتقال بالقرب منهم.

عيشي تفاصيل أيامهم ،وشاركيهم حياتهم ،تسعدين بهم وبأبنائهم ،وتكملي مسيرتك الجميلة مع الأحفاد، فهم في أشد الحاجة لقلبكِ المخلص المحب لهم.

ولتصنعي معهم ذكريات جديدة وصورًا جميلة، لعله التغيير الأفضل لكِ ولهم.

فنحن وأحبابنا من يصنع الذكريات الجميلة نحن من نصنع للحياة لون وطعم جديد.

وتتوالى جلسات البيسين، وما زالت آلام اللمباجو اللعين، وما زالت جلسات الصراحة وحديث النفس .

أما الحكايات فللحديث بقية.

بقلم الأستاذة صباح عاصم

رئيس مجلس ادارة جمعية بداية للأعمال الخيرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى