اقتصاد اليأس. كيف تنبأ هانز فالادا وطه حسين بسقوط الرجل الصغير؟

بقلم الدكتور:- إبراهيم حامد عبداللاه
أستاذ الأدب الألمانى-عميد كلية الألسن
رئيس قسم اللغة الألمانية كلية الآداب..
جامعة بنى سويف

 

عندما تنهار الأنظمة السياسية وتتمزق المجتمعات، نادراً ما يحدث ذلك فجأة. يبدأ الأمر دائماً من المطابخ البسيطة، وعلى طاولات الطعام الخاوية، وفي المحافظ الفارغة للمواطنين البسطاء. في الحقبة المضطربة بين الحربين العالميتين، وهي حقبة عاشت تحت ظلال ركام الحرب العالمية الأولى وبوادر الحرب العالمية الثانية، أمسك عملاقان من عمالقة الأدب بقلميهما بشكل مستقل تماماً لتوثيق الصرخة الصامتة للمهمشين.
في ألمانيا، قام الروائي هانز فالادا (1893 -1947) في عمله الرئيسي “أيها الرجل الصغير، وماذا بعد!” الصادر عام 1932 بتشريح الموت البطيء للجمهورية الديمقراطية آنذاك. وفي نفس الحقبة الزمنية تقريباً، وإن لم تُنشر مجمعّة في كتاب حتى نهاية الأربعينيات، كتب عميد الأدب العربي طه حسين (1889-1973)، مجموعته القصصية العميقة المعذبون في الأرض ليتصدى للجفاء الاجتماعي والاقتصادي في مصر شبه الإقطاعية. إن كلا العملين ليسا مجرد قصص خيالية؛ بل هما بيانان اقتصاديان واجتماعيان حارقان، يوضحان كيف يمهد العوز المادي الأرض للانفجارات التاريخية الكبرى الكامنة في رحم المجتمعات.
ولكي نفهم القوة الضاربة لهذين النصين، يتعين علينا تأمل التشريح الاقتصادي الذي يصفانه. ففي ألمانيا، كانت أزمة الكساد الكبير عام 1929 هي التي دمرت تماماً الطبقة الوسطى التي كانت تعاني أصلاً من صدمة التضخم الجامح لعام 1923. يدخلنا فالادا من خلال عمله “أيها الرجل الصغير، وماذا بعد!” في قلب هذا العذاب الحسابي؛ حيث يبدأ بطله يوهانس بينّه-بيرج كموظف براتب يتراوح بين مئة وثمانين ومئتي مارك شهرياً. ورغم أن الرقم قد يبدو معقولاً بمعايير عصره، إلا أنه يتحول إلى فخ وجودي. فبعد خصم الإيجار والتأمينات الاجتماعية الإجبارية المستحدثة آنذاك، يتبقى لزوجته إيمّا، التي يدللها باسم لامشين، ميزانية يومية صارمة تُقدر بماركين وعشرين سنتاً فقط للطعام والتدبير المنزلي.
هذه النزاهة الحاسبية الناتجة عن مدرسة الموضوعية الجديدة في الأدب الألماني هي ما يجعل عمل فالادا بائساً ومقلقاً للغاية. فميزانية الماركين والعشرين سنتاً ليست رقماً مجرداً، بل هي الحدود الفاصلة بين الحصول على وجبة حساء ساخنة أو البقاء ببطون خاوية. وعندما يقع بينّه-بيرج في النهاية ضحية لوحشية نظام المتاجر الكبرى وقوانين حصص المبيعات الجائرة ويُطرد من عمله، تنكمش هذه الميزانية لتصل إلى الصفر العاري لغرف الإعانة الحكومية، ليتحول البطل إلى كائن غير مرئي اجتماعياً.
وعلى بعد آلاف الكيلومترات جنوباً، وتحديداً على ضفاف النيل، يرسم طه حسين صورة لا تقل ترويعاً في مجموعته القصيصة “المعذبون في الأرض”، لكنها ترتكز على خلل هيكلي اقتصادي مختلف تماماً. فبينما كانت ألمانيا تئن تحت وطأة أزمات الرأسمالية الصناعية الحديثة، كانت مصر مريضة بنظام زراعي شبه إقطاعي مستبد وتوزيع غير عادل للملكية.
في القصة المركزية حول الطفل صالح، يصف طه حسين غياب التكافل التام في الثروة. فصالح، الطفل الجائع شبه العاري الذي ينتمي إلى قاع المجتمع الريفي، لا يملك أي ميزانية على الإطلاق؛ إنه يعيش خارج نطاق الاقتصاد النقدي. واقعه اليومي يتلخص في التحديق الصامت في أبناء المترفين والإقطاعيين، والباشوات، وهم يرفلون في رغد العيش والنعيم. يُظهر طه حسين وطنه مصر، التي لا يُعد فيها الخبز اليومي للأغلبية الساحقة أمراً بديهياً، بل رفاهية لا تُنال. إن غياب أي شبكات أمان اجتماعي رسمي في ذلك الوقت كان يعني حقيقة واحدة: من يعجز عن العمل الجسدي أو لا يملك شبر أرض، يُطرد عملياً من سياج الحياة.
لقد أبدع كلا الكاتبين في تحويل الجروح النفسية للفقر إلى صور بصرية لا تُنسى في الوجدان الأدبي. فعند الكاتب هانز فالادا، تبلغ هذه المأساة ذروتها في المشهد الختامي الشهير؛ حيث يقف بينّه-بيرج بثيابه الرثة التي مزقتها شهور البطالة أمام واجهات العرض البراقة في شارع تجاري فخم. يتقدم منه شرطي ويطرده بخشونة من فوق الرصيف، ليس لأنه ارتكب جرماً، بل لأن مظهره الخارجي البائس يفسد متعة الاستهلاك للمرفهين والأثرياء. في تلك اللحظة، يفقد بينّه-بيرج هويته الوطنية وكرامته الإنسانية؛ لم يعد مواطناً، بل مجرد حطام بشري منبوذ.
أما طه حسين في “المعذبون في الأرض”، فيختار لغة بصرية أكثر قسوة وتأثيراً لتصوير البؤس المستتر في القاع المصري. إنه يصف عمال التراحيل الذين نحلت أجسادهم بفعل قيظ الصيف الحارق ومرض البلهارسيا المتفشي. أقدامهم حافية تشققت من طين حوض النيل المتصلب، ووجوههم شاحبة غسلها الجوع المستمر. وتتجلى فجيعة الموت الاجتماعي بوضوح في قصة خديجة؛ حيث تقف الأم عاجزة تماماً أمام وباء الكوليرا والسل الذي ينهش أطفالها واحداً تلو الآخر، لغياب ثمن العلاج أو أبسط مقومات النظافة. لا يظهر الموت عند طه حسين كحدث قدري محض، بل يتبدى كمنتج نهائي بارد لتوزيع غير عادل للموارد.
إن السؤال السياسي المحوري الذي يطرحه العملان هو: لماذا يقود الانهيار الاقتصادي حتماً إلى التطرف؟ وكيف يمكن للمرء أن يقاومه؟ في ألمانيا مطلع الثلاثينيات، تجلت الإجابة بوضوح في الشوارع؛ حيث تدفق ملايين الشباب المحبطين إلى صفوف كتائب العاصفة النازية أو الحزب الشيوعي. ويبرز فالادا هذا النموذج عبر شخصية لوتربك، زميل بينّه-بيرج في العمل، الذي لم يرتدِ شارة الحزب النازي عن إيمان أيديولوجي، بل اتخذها كدرع اقتصادي؛ إذ كان أصحاب العمل يخشون طرد أي موظف نازي خوفاً من انتقام الشوارع الليلة. لقد قدم الفاشيون للرجال المسحوقين زياً عسكرياً مهيباً، ووجبة حساء ساخنة من المطابخ الشعبية، وشعوراً زائفاً باستعادة القوة.
هنا تحديداً تبرز أهمية شخصية الزوجة إيمّا، أو لامشين، زوجة بينّه-بيرج، التي رسمها فالادا كعمود فقري أخلاقي للرواية. فبينما ينهار زوجها تحت وطأة النبذ الاجتماعي والافتراس المالي، تقود لامشين شكلاً من أشكال المقاومة الاقتصادية والإنسانية الصامتة. إنها ترفض بذكاء حقن بيتها بسموم الكراهية والغضب الشائعة في الشارع. وبفضل حبها الراسخ، وانضباطها الصارم في إدارة القروش القليلة المتبقية، ورفضها البحث عن شماعة أخطاء أو الانصياع لسيكولوجية الجماهير الهائجة، تتبني لامشين حصناً غير مرئي يحمي عائلتها الصغيرة، وتنقذ آدمية زوجها بعد أن شطبه النظام الاقتصادي من حساباته.
وفي السياق المصري الذي رسمه طه حسين في “المعذبون في الأرض”، لم يكن هناك معادل بنيوي للمنظمات العسكرية المتطرفة، لكن كان هناك غليان يمهد لثورة عارمة. يحذر عميد الأدب العربي قراءه، ولا سيما النخبة الحاكمة آنذاك، من أن التحمل الصامت للبؤس له حدود تقف عندها الجبال. ورغم أن شخصياته تبدو أحياناً مستسلمة لقدرها الصامت، إلا أن صوت الكاتب الممتد عبر السطور يكسر هذا الصمت؛ فصوته الأدبي يمثل النظير المصري لشخصية لامشين، كونه نداءً صارخاً للإنسانية، وإصلاح التعليم، وإعادة توزيع الثروات لتفادي الانفجار الدموي الوشيك.
ومن المفارقات المذهلة في الأدب المقارن العالمي أن كلا الكتابين تقاسما ذات المصير مع مقص الرقيب الحكومي، وهو ما يعد دليلاً قاطعاً على خطورة الحقيقة التي يحملانها. فخوفاً من إثارة ذعر الجمهور البرجوازي في ألمانيا عام 1932 وتجنباً لملاحقة النظام الصاعد، قامت دار النشر بحذف ما يقرب من ربع المخطوطة الأصلية لفالادا، ولم تصدر النسخة الكاملة غير الخاضعة للرقابة إلا بعد عقود طويلة في 2026 لتعيد للعمل زخمه السياسي الصادم وأجواءه البرلينية القاتمة.
ولم يكن مصير كتاب طه حسين بعيداً عن هذا السيناريو؛ فعندما بدأ نشر قصصه في الصحف المصرية، تدخلت الرقابة الملكية فوراً، واعتبرت الكتاب تحريضاً ضد العرش والنظام الإقطاعي المستقر. وبسبب منع طباعته في القاهرة، اضطر صاحب الكتاب إلى أن يسلك طريقًا ملتف ليُطبع في دار نشر ببيروت عام 1949، قبل أن يعود بعد سقوط الملكية ليصبح واحداً من أهم الكلاسيكيات الأدبية في العصر العربي الحديث.
وقد أثبت التاريخ أن كلا المؤلفين كانا نبيين للتغيير الحتمي؛ فالإفلاس المالي والاجتماعي للفئات المسحوقة، الذي حسبه فالادا بدقة بالماركات وحبات البطاطس، قاد ألمانيا مباشرة إلى كارثة الشمولية عام 1933 ومن ثم إلى الحرب العالمية الثانية. والبؤس الاجتماعي للفلاح والعامل المصري، الذي وثقه طه حسين في الأزقة المتربة للقرى المحرومة، تحول إلى وقود غير قابل للإخماد، ومن ثم فجّر الثورة المصرية عام 1952، والتي غيرت وجه النظام الاقتصادي والسياسي تماماً عبر إلغاء الإقطاع. ويبقى كلا العملين بمثابة إنذار خالد يذكر البشرية بأن أي مجتمع يتخلى عن فئاته الأكثر ضعفاً اقتصادياً وإنسانياً، إنما يهدم بيديه الأساس الذي يقوم عليه وجوده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى