من التشهير إلى التوقير ومن المحنة إلى المنحة

بقلم/ إبراهيم التحيوي

 

سبحان من بيده ملكوت كل شيء، وهو على كل شيء قدير. في كثير من الأحيان، يسعى الإنسان لإيذاء أخيه الإنسان، مدفوعاً بجهل أو كبر، فيرتب الله من فوق سبع سموات أمراً يقلب الموازين رأساً على عقب. هذا تماماً ما تجسد في قصة “عامل دليفري الرحاب”، تلك الواقعة التي بدأت بمحاولة لكسر النفس والتشهير، فانتهت بفيض من التوقير والرزق والمنح الربانية.

 

المحنة: عندما يظن المخلوق أنه يملك الضر

بدأت القصة بمشهد يحمل في طياته الكثير من القسوة، عندما حاول أحد الأشخاص تصوير عامل توصيل (دليفري) في مدينة الرحاب، مستهدفاً التقليل من شأنه أو التشهير به وبمورد رزقه الحلال أمام منصات التواصل الاجتماعي. كانت محنة حقيقية لعامل بسيط يسعى بشرف لكسب قوته تحت أشعة الشمس وظروف العمل الشاقة. ظنّ المصوّر أن هاتفه أداة للتحكم في مصائر الناس وإهانتهم، وغاب عنه أن القلوب والعباد تحت رعاية ربّ عادل.

 

المنحة: لكن إرادة الله كانت أسرع، فتحولت “المحنة” في لمحة عين إلى “منحة”. ضجت منصات التواصل الاجتماعي بالتعاطف والاحترام لهذا العامل الشريف، وانقلب السحر على الساحر. ولم يتوقف الأمر عند التعاطف المعنوي، بل تدخلت العناية الإلهية لتبدل ضيق الرزق بسعة، حيث أعلنت مجموعة طلعت مصطفى عن تكريم العامل بمبلغ 100 ألف جنيه، تقديراً لجهده وشرفه، وردّاً لكرامته أمام الجميع. فصار الذي أُريدَ له المتجرع للمهانة، مُكرَّماً فوق الرؤوس، وانتقل من دائرة “التشهير” إلى قمة “التوقير”.

 

تُعلمنا هذه الواقعة درساً بليغاً في العقيدة واليقين؛ فالرزق ليس بيد بشر، ولا يملك مخلوق أن يقطع سبباً كتبه الله لعبدٍ من عباده. إن سوق الرزق يديره ربٌّ حكيم، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.

 

يقول الله تعالى في محكم التنزيل:

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: 2]

 

لقد أراد المصور إغلاق باب، ففتح الله للعامل أبواباً من الخير والقبول والرزق الوفير. فالخلق أسباب، ومسبّب الأسباب هو الله وحده، كما جاء في كتابه الكريم:

﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22].

 

وفي السنة النبوية المطهرة، رسخ النبي ﷺ هذا اليقين في نفوس الأمة، ليعلم كل صاحب حاجة أو مظلوم أن أزمة الرزق والكرامة بيد الله، فقد قال ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما:

 

“وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ”.

 

إن قصة “عامل دليفري الرحاب” هي رسالة طمأنينة لكل كادح، وصفعة على وجه كل متكبر. هي دليل حيّ على أن الشرف في العمل الحلال، وأن الله يدافع عن الذين آمنوا. فكم من نية سوءٍ أرادت بعبدٍ خفضاً، فرفعه الله بها ذكراً ورزقاً، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى