نانسي إبراهيم: الإعلام ليس صوتًا عاليًا… بل موقف صادق

حوار: هدى زوين
لم تكن الإعلامية المصرية نانسي إبراهيم يومًا من الأصوات التي تسعى إلى إثبات حضورها عبر العلوّ أو الاستعراض، بل اختارت منذ بداياتها أن تنحاز إلى الجوهر، وأن تجعل من الكلمة موقفًا، لا مجرد وسيلة. وعلى امتداد أكثر من عقدين من العمل في الإعلام العربي والدولي، رسّخت حضورًا متوازنًا وهادئًا، مؤمنة بأن الإعلام مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مهنة.

في هذا الحوار، تفتح نانسي إبراهيم صفحات تجربتها، متحدثةً بصدق ووعي، كاشفةً عن ملامح مسيرة اختارت العمق طريقًا، في زمنٍ يزداد فيه صخب السطحية.
تؤكد نانسي أن جوهر المهنة لم يتغير بالنسبة لها، بل الذي تبدّل هو عمق التجربة، مشيرةً إلى أن السنوات أضافت إليها مرونة وحكمة أكبر في التعامل مع المواقف، دون أن تُطفئ شغفها الأول، الذي لا يزال حيًا كما في البدايات.
وعند الحديث عن النزاهة المهنية وسط قيود المؤسسات والخطوط الحمراء، ترى أن الصدق لا يُجزّأ، لكنه قد يصطدم أحيانًا بسياسات العمل، ليبقى القرار في النهاية شخصيًا: إما التكيّف دون التفريط بالمبادئ، أو الانسحاب حفاظًا على القناعات.
أما عن شعورها بعد هذه المسيرة الطويلة، فتؤكد أن الشغف لم يخفت، رغم ما واجهته من تحديات وظروف قاسية، من ظلم وخذلان، إلا أن ذلك لم يُضعف ارتباطها بالمهنة التي اختارتها عن قناعة.
وفي تقييمها للمشهد الإعلامي اليوم، تشير إلى هيمنة ثقافة “الترند” والمحتوى السريع، الذي غالبًا ما يطغى على المضمون العميق، رغم وجود محاولات جادة لإثراء المحتوى، لكنها لا تزال محدودة التأثير مقارنة بالانتشار الواسع للسطحية.
وترى أن طرح الأسئلة الجريئة يظل جزءًا أساسيًا من دور الإعلامي، إذ تحرص دائمًا على مقاربة المسكوت عنه، مع احترام الضيف وتاريخه، دون الوقوع في فخ السطحية أو الانبهار.
وتلفت إلى أن الجمهور في كثير من الأحيان يتفاعل مع ما يُقدَّم له، معتبرة أن المشكلة ليست في المتلقي بقدر ما هي في نوعية المحتوى المتاح، الذي يميل غالبًا إلى السهولة على حساب العمق.
وتوضح أنها لم تتخلَّ يومًا عن عمقها المهني، بل تؤمن بأن لكل موضوع أسلوبه، وأن التبسيط لا يعني التسطيح، بل هو فن إيصال الفكرة دون الإخلال بقيمتها.
وعن قدرة الإعلام على إحداث التغيير، تؤكد أن ذلك ممكن، شرط أن يكون بيد أصحاب الخبرة والمعرفة، لا ضمن دوائر العلاقات الضيقة والمصالح الشخصية.
وتتحدث عن استقلاليتها كامرأة في هذا المجال، مشيرة إلى أن الاختلاف له ثمنه، وقد واجهت محاولات للحد من حضورها، لكنها لم تحِد عن مسارها أو قناعاتها.
وعن نوعية البرامج الأقرب إلى قلبها، تعبّر عن شغفها بالبرامج الفنية والسينمائية المتخصصة، إضافة إلى عشقها للهواء المباشر لما يحمله من تحدٍ، وكذلك الحوارات التي تغوص في أعماق النفس والسيرة.
وفي ما يتعلق بالتكريم، ترى أنه لحظة امتنان تستحق التقدير، إذ يعكس المسار الذي قطعته، ويمنحها دافعًا للاستمرار والعطاء.
أما عن واقع المرأة الإعلامية اليوم، فتؤكد أنها حققت إنجازات مهمة، لكنها لا تزال مطالبة بإثبات ذاتها باستمرار، خاصة في ظل الضغوط التي تركّز أحيانًا على الشكل أكثر من المضمون.
وتشير إلى أن النقد العميق بات يُساء فهمه في كثير من الأحيان، حيث يُنظر إليه كنوع من الهجوم، في بيئة تميل إلى السهولة وتتجنب التحليل.
وعن الإعلام الجديد، تعتبره فرصة حقيقية، لكنه ليس طريقًا مضمونًا للجميع، فالنجاح فيه مرتبط بالقدرة على تحقيق توازن دقيق بين الجاذبية والمحتوى الهادف.
وعندما تستعيد بداياتها، تتحدث بشغف عن أولى خطواتها، حيث شعرت منذ اللحظة الأولى على الشاشة أن هذا هو مكانها الطبيعي، وأن الإعلام جزء أصيل من هويتها.
وفي ما يتعلق بالتفوق الأكاديمي، ترى أنه عامل مساعد، لكنه لا يكفي وحده، فالموهبة والإتقان هما الأساس، والتوفيق يبقى بيد الله.
كما تؤكد أن ممارسات مثل اليوغا والتنمية الذاتية كان لها أثر واضح في حياتها المهنية، إذ منحتها هدوءًا وتركيزًا، وساعدتها على الصبر والتوازن، خاصة في العمل المباشر الذي يتطلب حضورًا ذهنيًا واستقرارًا نفسيًا دائمًا.
في ختام هذا اللقاء، تتجلى صورة نانسي إبراهيم كإعلامية اختارت أن تجعل من الإعلام مساحة للفهم والمعرفة، لا مجرد منصة للضجيج. فبثباتها، ووفائها للكلمة، واستقلالها الفكري، تقدّم نموذجًا للإعلامي الذي يراهن على المعنى، ويضع الحقيقة فوق كل اعتبار، في زمنٍ باتت فيه الأصوات العالية أكثر من الأصوات الصادقة.




