نيللي بدوي.. حين يصبح الضوء حكاية إمرأة هزمت البطالة والمرض بالفن عتمة التحدي.. رحلتي مع البطالة والمرض

شاركتها الحلم/ رابعة الختام
من الكتاب إلى الحياة، ومن الفقد والمرض وتعثر المسار المهني إلى تأسيس “ضي” رحلة امرأة اختارت أن تمنح أحلامها فرصة جديدة، تفتح قلبها ل”مجلة العمل” وتحكي تجربتها الفريدة….
حيث تقول نيللي بدوي: لم تبدأ حكاية “ضي” في مكتب أو مؤسسة، بل في مساحة إنسانية من الصمت والتأمل، بعد سنوات من التوقف المهني والتحديات الصحية التي غيّرت إيقاع حياتي.

لم تكن تلك السنوات سهلة، ولم تمر دون أن تترك أثرها، لكنها دفعتني إلى إعادة النظر في نفسي، وفي أحلامي المؤجلة، وفي قدرتي على أن أبدأ من جديد، حتى لو تجاوزت الخمسين من عمري.
لم أعد الخمسين نهاية خط مضمار، ولم أعتبرها بداية متأخرة؛ بل رأيتها فرصة لاكتشاف ما بقي ممكنًا، ولمنح حلم قديم مساحة يستحقها.

لن أبدأ بالتعريف التقليدي بنفسي، اسمي وسني ومهنتي؛ فبعض التجارب الإنسانية لا تكشفها البيانات الجافة، بل تظهر ملامح أصحابها عبر التفاصيل التي عاشوها، والاختيارات، وما تركته الحياة فيهم من أثر.
سأترك لحكايتي أن تعرّفكم إلى نيللي، من خلال رحلة “ضي”؛ مشروع لم يولد من المرض، بل سبق تلك التجربة، ثم تأجل تحت وطأة الظروف، قبل أن أعود إليه محملة بخبرات وذكريات وأسئلة جديدة.

حين اخترت اسم “ضي”، لم أكن أبحث عن اسم لعلامة تجارية فحسب؛ كنت أبحث عن كلمة تختصر علاقتي بالحياة؛ فالضوء، بالنسبة إليَّ، ليس إنكارًا للعتمة، ولا ادعاء بأن الطريق كان سهلًا، بل محاولة لصنع شيء جميل وذي معنى، حتى حين لا تأتي الرياح بما تشتهيه السفن.
يبدأ الإنسان حكاية جديدة حين يظن أن بعض الأبواب قد أُغلقت.
يستعيد علاقته بالعمل والحلم بعد سنوات من التوقف القسري.
لم يكن مشروعي الصغير فكرة عابرة أو قرار اتخذته في لحظة واحدة؛ بل تبلور عبر رحلة طويلة اجتمعت فيها محبتي للقراءة والكتابة والفن، وذكرياتي وأسئلتي وتجربتي مع الفقد والمرض.
ومن هذه الرحلة بدأت “ضي” تتشكل، لا بدبوصفها مشروعًا تجاريًا فحسب، بل فرصة لأعود إلى الإنتاج، وأمنح ما أحب شكلًا ملموسًا يمكن أن يصل إلى الآخرين، حاملًا إليهم شيئًا من السكينة التي أبحث عنها.

وبين الحلم المؤجل والعودة إليه، كانت هناك حكايات أخرى صنعتني:
تجربة صحية جعلتني أعيد النظر في معنى الوقت والحركة والحياة.
هذه ليست حكاية امرأة لم تنكسر، بل حكاية امرأة عرفت الخسارة والتوقف، وما زالت تحاول أن تصنع من تجربتها بداية جديدة.
بعض الصور لا تكتفي إن توقظ الذاكرة، بل تتدرج الكلمات من مختبئا فينا وتفتح أبواب الحنين، فيفيض القلب، وتُكتب الصورة كما رُسمت الكلمات.
مع مرور الوقت، تعلمت أن الطريق الذي لا يشبه أحلامنا الأولى قد يحمل لنا أبوابًا لم نكن نعرف أنها تنتظرنا. أؤمن بأن لله حكمة قد لا تتضح لنا في لحظتها.
أنشأت صالون نيللي بدوي المعرفي، وزاوية ضي لصنع الشموع المعطرة والمستخدمة في ديكورات المنازل، ونقوم بتصنيعها بشكل احترافي أقرب للفن والهاند ميد ونختار قوالب غير شائعة، وأحيانا نقوم بتصميم قوالب خاصة بنا. وكان الشباب في مقدمة من اردت ان افتح لهم هذه المساحة سواء في الثقافة أو الفن.
حين يتغير إيقاع الحياة
جاءت تجربتي مع سرطان الغدة الدرقية، لتفرض عليّ إيقاعًا لم أختره. خضعت لاستئصال الغدة، ثم تلقيت العلاج باليود المشع، وما صاحبه من عزلة احترازية، وبعد ذلك جاءت نتيجة المسح الذري مبشرة بالاستجابة للعلاج، فاستقبلتها بامتنان ورجاء، وما زلت أتطلع إلى تمام الشفاء ودوام العافية.

لكن التجربة لم تنتهِ عند حدود العلاج؛ فقد بقيت أعاني آلامًا ومشكلات عصبية وخشونة وتآكلًا أثرت في حركتي وقدرتي على المشي. تحولت أشياء كنت أمارسها دون تفكير إلى أمنيات أنتظر أن أستعيدها، ومرّت فترات طويلة بين الفراش والراحة القسرية، بعيدًا عن الحياة التي اعتدت أن أشارك فيها.
كان الفارق في القدرة على الاختيار. فالخلوة التي نذهب إليها بإرادتنا قد تمنحنا السكينة، أما حين نفقد حرية الحركة والعودة إلى الأماكن التي نحبها، فإننا نحتاج إلى وقت كي نتعلم كيف نعيش مع واقع جديد لم نخطط له.
«ضي».. حلم قديم يجد طريقه
كان حلم «ضي» موجودًا قبل المرض، لكنه تأجل مع الظروف الصحية وما فرضته من توقف. وحين عدت إلى التفكير فيه، لم أكن أبدأ من الصفر؛ كنت أحمل معي سنوات من القراءة والتأمل، وحبًا للتفاصيل التي تمنح الحياة قدرًا من الهدوء.
«على الفن أن يواسي من كسرتهم الحياة»؛ عبارة تُنسب إلى فان جوخ، وأجد فيها شيئًا قريبًا من فلسفتي في “ضي”. فالفن، بالنسبة إليّ، ليس ترفًا جماليًا فحسب، بل مساحة للمواساة والترميم، وطريقة تمنحنا فرصة لالتقاط أنفاسنا وسط ما تفرضه الحياة من قسوة.
بدأت الفكرة من لحظات أحبها: كتاب في ليلة ساكنة، وفنجان قهوة أرتشفه ببطء، وصمت يخفف ضجيج العالم. أردت أن أصنع أشياء ترافق هذه اللحظات، وتمنح المكان دفئًا، وتجعل التفاصيل اليومية أكثر ألفة؛ أشياء لا تدّعي أنها تمحو الألم، لكنها قد تمنح لحظة هادئة وسطه.
ومن هنا جاءت «ضي»، التي اتسعت تدريجيًا لتشمل الشموع والعطور المنزلية والديكورات والمنتجات الفنية وأعمال الجورنال الفني، إلى جانب أدوات الكتابة والتدوين والرسائل والحقائب.
تجمع هذه المنتجات فكرة واحدة: أن يكون للشيء جماله ووظيفته وحكايته.
أحب أن أقول: «لكل ركن حكاية ولكل روح ضي»، وأرى أننا «لا نصنع شموعًا؛ بل نعيد صياغة الضوء». فالشمعة ليست مجرد منتج يوضع على رف، بل قد تكون رفيقة قراءة، أو تفصيلًا يهيئ المكان للهدوء، أو هدية تحمل ذكرى ومعنى.
لا أتعامل مع “ضي” بوصفه حلمًا رومانسيًا فقط؛ فهناك خامات وتجارب وتصميم وإنتاج وتغليف وتكاليف وتحديات سوق، وكل ذلك يحتاج إلى تعلم وصبر. لكن ما يمنحني الدافع هو أنني أعمل في مساحة تجمع ذائقتي الفنية والثقافية برغبتي في الإنتاج، وتسمح لي بأن أشارك الآخرين شيئًا مما أحب.
من رائحة أمي إلى «ضي الحرف» و«ضي المراسيل»
للروائح مكان خاص في عالمي، وخصوصًا المسك والياسمين. لم يكن اختيارهما مجرد قرار متعلق بالعطور، بل امتدادًا لذكرى شخصية عميقة. في خاطرة كتبتها لأمي تحدثت عن قارورة عطر احتفظت بها في خزانتها، وما زلت أعود إليها لاستعادة شيء من رائحتها وذكرياتي معها. وكتبت: «فالمسك والياسمين رائحة أمي ورائحتي، رائحة الإنسان فينا».
هكذا تتحول التفاصيل الصغيرة في ” ضي” إلى حكايات تصل الحاضر بالماضي.
أما زهرة عباد الشمس، فهي الأيقونة الأساسية للبراند؛ أحبها لأنها تتجه إلى الضوء، ولأنها تذكرني بالبهجة والامتنان وإمكانية العثور على النور حتى بعد العتمة. أؤمن بأننا مهما مررنا بظروف صعبة، يبقى في داخلنا جزء يعرف طريقه إلى ما يمنحنا الأمل.
ومن محبتي للكتب والكتابة، جاءت “ضي الحرف”، ومنها شموع القراءة؛ شمعة برائحة اللافندر ترافق الكتاب والهدوء، وأخرى برائحة القهوة تستحضر جلسات القراءة والحديث.
ارتبطت شمعة الفنجان بكتاب عماد العادلي «حتى لا تفور القهوة»، وبفكرة اسعادة الإيقاع الهادئ للحياة، ومنح اللحظة وقتها بدلًا من أن نركض دائمًا نحو ما بعدها.
أحببت أن تتحول الفكرة التي ناقشناها في كتاب إلى شيء ملموس يرافق القارئ في يومه.
وتأتي “ضي المراسيل” من محبتي للرسائل المكتوبة والورق والخط، ومن إيماني بأن الرسالة ليست مجرد كلمات تُرسل، بل وقت يمنحه شخص لآخر، وأثر يمكن الاحتفاظ به والعودة إليه. لذلك أحب أن تحمل هذه المجموعة روح الحكاية والاهتمام بالتفاصيل، وأن تظل الكتابة فيها فعل محبة، لا مجرد وسيلة للتواصل.
«سكندريات هنو».. حين تخرج اللوحة من إطارها
للإسكندرية مكانة خاصة في قلبي، بما تحمله من ذاكرة البحر والشوارع والبيوت والوجوه. ومن هنا جاءت مجموعة «سكندريات هنو»، بالتعاون مع الفنان التشكيلي السكندري الدكتور خالد هنو، لتحويل لوحاته إلى حقائب قماش تجمع بين الفن والاستخدام اليومي.
أحب وصف الفكرة بعبارة «لوحة خرجت من إطارها». فالعمل الفني لا يبقى محصورًا في مساحة العرض، بل يمكن أن يصاحب الإنسان في يومه، ويحمل معه شيئًا من روح المدينة وملامحها. تتحول اللوحة إلى قطعة نستخدمها، ونراها، ونشاركها، من دون أن تفقد صلتها بالفن الذي بدأت منه.
وهذا ما أحبه في “ضي” عمومًا: أن تتجاور الذاكرة مع الجمال، والفكرة مع الاستخدام، والمنتج مع الحكاية التي تقف وراءه. وأن يكون لكل مجموعة عالمها الخاص، مع بقائها جزءًا من هوية واحدة.
أن أمنح أحلامي فرصة جديدة
على امتداد هذه الرحلة، تعلمت أن بعض السنوات تكشف لنا ما لم نكن نراه في أنفسنا أو في علاقاتنا.
تعلمت أن أزرع حديقتي الداخلية بدلًا من انتظار الحب والورد من الخارج. وأن أعتني بزهوري الذابلة، وأن أترك مساحة للحزن حين يأتي، وأن البكاء ليس دائمًا علامة ضعف؛ فقد يكون طريقة لتخفيف ما أثقل القلب.
لهذا لا أريد أن أقدم “ضي” باعتباره نهاية رحلة أو دليلًا على أن كل شيء أصبح سهلًا. ما زلت أتعلم، وأجرب، وأعيد ترتيب خطواتي. وما زلت أرجو تمام العافية، وأتمنى أن أستعيد مزيدًا من قدرتي على الحركة والعودة إلى الأماكن التي أحبها.
لكنني اليوم أمتلك فرصة لأعمل وأنتج وأصنع شيئًا يحمل بصمتي. أمتلك مساحة ألتقي فيها مع الكتب والكتابة والفن والذاكرة، وأحوّل بعض ما تعلمته وعشته إلى أشياء يمكن أن تصل إلى الآخرين.
أحب أن أقول إن الضوء لا يحتاج أن يكون ساطعًا ليكون صادقًا. فليس المطلوب أن تختفي العتمة كلها حتى نبدأ، ولا أن نعود إلى نسختنا القديمة كي نمنح أنفسنا فرصة جديدة. أحيانًا يكفي أن نرى خطوة ممكنة أمامنا، وأن نمنحها الوقت والجهد، وأن نقبل بأن الطريق قد يتغير من دون أن نفقد حقنا في مواصلته.
بالنسبة إليّ، ليست «ضي» مجرد علامة تجارية؛ إنها مساحة أجمع فيها ما أحب، وأحاول من خلالها أن أستعيد علاقتي بالعمل والإبداع بعد سنوات من التوقف والتغيرات. وهي أيضًا تذكير بأن الحياة لا تسير دائمًا في خط مستقيم، وأن الأحلام قد تتأخر، لكنها لا تفقد قيمتها لمجرد أنها لم تتحقق في موعدها الأول.
من البيت الذي لم يعد موجودًا، إلى الكتب التي فتحت لي أبوابًا جديدة، ومن صالون المعرفة إلى شموع القراءة، ومن رائحة أمي إلى رسائل “ضي”، ومن لوحات الإسكندرية إلى الأشياء التي أصنعها بيدي، تتصل الحكايات بخيط واحد:
أن نحفظ ما نحب، وأن نفهم ما نمر به، وأن نمنح تجاربنا فرصة لتصبح شيئًا ذا معنى.

ربما لهذا أستحضر قول محمود درويش في جداريته: “هزمتك يا موت الفنون جميعها.
هذه حكايتي مع “ضي”؛ حكاية حلم تأجل، لكنه لم ينطفئ، وامرأة لا تدّعي أنها تجاوزت كل صعوباتها، لكنها اختارت أن تبدأ من جديد بما تملك، وبما تحب، وبما تستطيع.
لكل ركن حكاية، ولكل روح ضي.




