بقلم الدكتور:- إبراهيم حامد عبداللاه
أستاذ الأدب الألمانى-عميد كلية الألسن
رئيس قسم اللغة الألمانية كلية الآداب..
جامعة بنى سويف
ليس الخوف دائمًا نتيجة معرفة الخطر، بل قد يكون المجهول نفسه هو مصدر الخوف. فالإنسان قد يخشى ما لا يعرفه أكثر مما يخشى ما يعرفه، لأن غياب المعلومات يفتح المجال أمام الاحتمالات والتوقعات والشكوك. ومن هنا أصبح المجهول واحدًا من الموضوعات المهمة في الأدب، خصوصًا حين يتحول من فكرة مجردة إلى عنصر فاعل في بناء الرواية، يوجه حركة الشخصيات، ويشكل الزمن والمكان، ويؤثر في طريقة تلقي القارئ للأحداث.
وتقدم رواية “المحاكمة” لفرانز كافكا نموذجًا بارزًا لهذا النوع من الكتابة. وُلد كافكا في مدينة براج عام 1883، وتوفي عام 1924، وظلت “المحاكمة” عملًا غير مكتمل حتى وفاته. لقد كتب أجزاء الرواية خلال الفترة بين أغسطس 1914 ويناير 1915، ثم ظهرت للمرة الأولى بعد وفاته عام 1925 في برلين، بعد أن قام صديقه ماكس برود بتحرير المخطوطة ونشرها.
تبدأ الرواية بوضع بطلها يوسف ك. في موقف لا يستطيع فهمه. فهو متهم، لكنه لا يعرف على وجه اليقين ما الجريمة التي ارتكبها، ولا يعرف طبيعة الجهة التي تتهمه، ولا يستطيع الوصول إلى قواعد واضحة يستطيع على أساسها الدفاع عن نفسه. وهنا لا يصبح المجهول مجرد عنصر في الحكاية، وإنما يتحول إلى نظام كامل يحيط بالشخصية ويعيد تشكيل علاقتها بالعالم.
إن السؤال الذي يواجه يوسف ك. ليس فقط: “ما التهمة؟”، وإنما أيضًا: من يحاكمه؟ وما القانون الذي يحكمه؟ وكيف يمكن الوصول إلى الحقيقة؟ وهل توجد أصلًا إمكانية للوصول إليها؟
وهذا ما يجعل الخوف في “المحاكمة” مختلفًا عن الخوف التقليدي من خطر واضح. فالخطر هنا غير محدد، والسلطة التي تقف خلفه لا تظهر بصورة كاملة، والقانون الذي يفترض أن يكون وسيلة لتحقيق العدالة يتحول إلى شيء غامض يصعب على الفرد فهمه.
وقد تناول عدد من الباحثين هذه القضية. ففي كتاب “آفاق فلسفية في المحاكمة” الذي حرره إسبن هامر عام 2018، ناقش فريد راش في دراسته “أمام القانون” طبيعة القانون والسلطة في عالم كافكا، موضحًا التوتر بين غموض السلطة وبين توقع الإنسان الحديث في أن تكون القوانين عقلانية وقابلة للفهم. كما ناقش إيان ماكدونالد في دراسته “تحرير المستقبل: الاغتراب والغموض في المحاكمة” العلاقة بين الغموض والاغتراب واستحالة الوصول إلى حالة نهائية من الوضوح.
غير أن المجهول لا يظهر في الأدب الألماني وحده، بل نجد له حضورًا مختلفًا في الرواية العربية الحديثة. ومن النماذج المهمة في هذا السياق رواية “هاتف المغيب” لجمال الغيطاني، الذي وُلد عام 1945 وتوفي عام 2015، وترك تجربة روائية واسعة اتسمت بالاستفادة من التاريخ والتراث واللغة العربية القديمة، إلى جانب التجريب في الزمن والسرد والخيال.
ظهرت رواية “هاتف المغيب” في تسعينيات القرن العشرين، وتوجد لها طبعات لاحقة، من بينها طبعة دار الشروق بالقاهرة عام 2008، وهي الطبعة التي يبلغ عدد صفحاتها 301 صفحة وفق البيانات الببليوجرافية المشار إليها في الدراسات الخاصة بالرواية.
وفي رواية “هاتف المغيب” يتخذ المجهول صورة مختلفة عن صورته في “المحاكمة”. فإذا كان المجهول عند كافكا مرتبطًا بالمحكمة والقانون والسلطة، فإنه عند الغيطاني يرتبط بالهاتف والنداء والرحلة والمغيب وتداخل الأزمنة والعجائبية.
إن الهاتف هنا ليس مجرد وسيلة تقنية للاتصال، بل يتحول إلى وسيلة لإدخال المجهول إلى حياة الشخصية. يأتي النداء من جهة لا تكون دائمًا واضحة، ويحمل معه إمكانية الانتقال من عالم مألوف إلى عالم آخر. وهكذا يصبح الصوت نفسه مصدرًا للغموض، وتتحول الرغبة في معرفة مصدره أو معنى ما يحمله إلى دافع للحركة والبحث.
وهنا يظهر اختلاف جوهري بين الروايتين. ففي “المحاكمة” يقود المجهول إلى الحصار والانتظار والشعور بالعجز، بينما يؤدي المجهول في “هاتف المغيب” إلى الحركة والرحلة ومحاولة الكشف.
وهذا الاختلاف لا يعني أن إحدى الروايتين تقدم المجهول بصورة إيجابية والأخرى بصورة سلبية، وإنما يعني أن كل كاتب يوظف المجهول داخل نظام جمالي وثقافي مختلف.
في عالم كافكا، يبدو الإنسان محاصرًا داخل مؤسسات لا يستطيع فهمها. أما في عالم الغيطاني، فإن المجهول قد يتحول إلى دعوة للانتقال واكتشاف ما وراء الظاهر. ولذلك يمكن أن نقول إن المجهول عند كافكا يأخذ شكل “المتاهة”، بينما يميل عند الغيطاني إلى اتخاذ شكل “الرحلة”.
وهنا يصبح الزمن عنصرًا أساسيًا في المقارنة. ففي “المحاكمة” يرتبط الزمن بالانتظار والتأجيل، وبشعور الشخصية بأن القضية مستمرة دون أن تصل إلى لحظة حاسمة من الوضوح. أما “هاتف المغيب” فتبرز فيه مستويات زمنية متداخلة، وهو ما تناولته إيمان فتحي زكي محمد في دراستها “بنية الزمن الروائي عند جمال الغيطاني: هاتف المغيب أنموذجًا” المنشورة عام 2017، حيث جعلت الزمن عنصرًا أساسيًا في تنظيم البناء الروائي.
إن الزمن في العملين لا يؤدي وظيفة محايدة. إنه يساهم في إنتاج المجهول. فكلما طال الانتظار، زاد القلق، وكلما تداخلت الأزمنة، أصبح تحديد الحقيقة أكثر تعقيدًا.
وتظهر أهمية المكان كذلك في هذه المقارنة. ففي “المحاكمة” تتحول المحكمة والمكاتب والممرات والأماكن المغلقة إلى فضاءات يصعب على يوسف ك. السيطرة عليها أو فهم منطقها. المكان نفسه يبدو وكأنه جزء من النظام الغامض الذي يحاصر الشخصية.
أما في “هاتف المغيب”، فإن المكان يرتبط بالحركة والرحلة والانتقال. ولذلك يمكن النظر إلى المكانين باعتبارهما صورتين مختلفتين لعلاقة الإنسان بالمجهول: مكان مغلق يقود إلى الحصار، ومكان متحرك يفتح الطريق أمام البحث.
وتكتسب العجائبية أهمية خاصة في رواية الغيطاني. فقد تناول أحمد عبد خليل في رسالته للماجستير “العجائبية في رواية هاتف المغيب لجمال الغيطاني”، التي نوقشت في كلية الآداب بجامعة الموصل عام 2020، الآليات العجائبية التي اعتمد عليها الغيطاني في بناء الرواية وأحداثها. والعجائبية هنا ليست مجرد إضافة للغرابة، وإنما يمكن أن تصبح وسيلة لإعادة بناء علاقة القارئ بالواقع.
فالواقع في الرواية لا يبقى ثابتًا وواضح الحدود، وإنما يتداخل مع المتخيل والعجيب، وهو ما يجعل القارئ في حالة مستمرة من التساؤل: هل ما يحدث يمكن تفسيره وفق منطق الواقع أم أن هناك منطقًا آخر يحكم الأحداث؟ ومن هذه الزاوية يلتقي الغيطاني مع كافكا في استخدام عدم اليقين، وإن اختلفت الآليات. كافكا يبني عدم اليقين من خلال القانون والسلطة والمؤسسة، بينما يبنيه الغيطاني من خلال العجائبية والصوت والرحلة والزمن. وقد بدأ النقد العربي في الاهتمام بـ”هاتف المغيب” منذ السنوات الأولى لظهورها. ففي عام 1992 نشر محمود عبد الوهاب دراسة بعنوان “قراءة في هاتف المغيب: رواية جمال الغيطاني” في مجلة “الثقافة الجديدة”، العدد 47، الصفحات 86–88. وفي عام 1993 نشر يوسف زيدان دراسة بعنوان “قراءة في أدب الغيطاني: حوارات ليلية حول رواية هاتف المغيب” في مجلة “فصول”، المجلد 12، العدد 2، الصفحات 269–281.
وتكشف هذه الدراسات المبكرة عن أن الرواية أثارت منذ ظهورها اهتمامًا نقديًا يتعلق ببنيتها وطريقة بنائها لعالمها الخاص. لكن المقارنة بين “المحاكمة” و”هاتف المغيب” تحتاج إلى قدر كبير من الحذر العلمي. فوجود تشابه بين روايتين لا يعني بالضرورة وجود تأثير مباشر بين الكاتبين. وليس من المنهج العلمي أن نفترض أن الغيطاني تأثر بكافكا لمجرد أن العملين يعالجان الخوف والمجهول والقلق. فقد تكون هناك تجارب إنسانية مشتركة تدفع الأدباء إلى معالجة موضوعات متقاربة. وقد تتشابه البنى الروائية أحيانًا نتيجة تطور مستقل أو نتيجة اشتراك الأعمال في تقاليد أدبية وفلسفية واسعة. ولهذا فإن المقارنة الأكثر دقة ليست: هل أخذ الغيطاني عن كافكا؟ وإنما: كيف بنى كل منهما المجهول؟ وكيف جعل منه عنصرًا مؤثرًا في الشخصية والزمن والمكان والحبكة؟ وكيف يتحول الخوف من المجهول إلى تجربة مختلفة في سياقين ثقافيين متباعدين؟ ومن هنا يمكن النظر إلى “المحاكمة” و”هاتف المغيب” باعتبارهما نصين يلتقيان في سؤال إنساني عميق: ماذا يحدث للإنسان عندما يجد نفسه أمام شيء لا يستطيع تفسيره؟
إن يوسف ك. يحاول أن يفهم المحكمة، والقانون، والتهمة، ومصيره، لكنه كلما اقترب من الإجابة بدا الأمر له أنه يدخل في دائرة جديدة من الأسئلة. أما عالم “هاتف المغيب” فيدفع الشخصية إلى مواجهة النداء والرحلة والمغيب وما يرتبط بها من احتمالات. وفي الحالتين، لا يكون المجهول غيابًا للمعلومة فحسب، بل يصبح قوة تعمل داخل النص. إنه يؤثر في سلوك الشخصيات، ويعيد تشكيل الزمن، ويغير طبيعة المكان، ويجعل القارئ نفسه جزءًا من عملية البحث عن المعنى.
وربما تكمن قوة الأدب في هذه النقطة تحديدًا: أنه لا يقدم دائمًا إجابات نهائية عن المجهول، بل يستطيع أن يجعلنا نعيش تجربة عدم اليقين نفسها. وهذا ما يجعل “المحاكمة” و”هاتف المغيب” نصين صالحين للحوار النقدي، رغم اختلاف زمنهما وثقافتهما وأساليبهما. فبين المحكمة والهاتف، وبين المتاهة والرحلة، وبين الانتظار والحركة، تتشكل صورتان مختلفتان للخوف من المجهول. وفي الحالتين يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع الإنسان أن يعيش من دون أن يعرف كل شيء؟ ربما لا تكون الإجابة في الروايتين واحدة، لكنهما تلتقيان في الكشف عن حقيقة أساسية: أن المجهول ليس شيئًا يقع خارج الإنسان دائمًا، بل قد يصبح جزءًا من وعيه بالعالم، ومن خوفه، ومن بحثه عن الحقيقة، ومن محاولته المستمرة لفهم مصيره.

أقرأ التالي
16 أغسطس، 2026
شركة عقاري للمقاولات و التجارة ( محمد عبدالفتاح احمد الملاح وشركاه) تشكر مسئولوا الإسكان وجهاز مدينة العاشر من رمضان
16 أغسطس، 2026
حكاوي البيسين(٢)
14 أغسطس، 2026
حكاوي البيسين(١)
10 أغسطس، 2026
نانسي إبراهيم: الإعلام ليس صوتًا عاليًا… بل موقف صادق
زر الذهاب إلى الأعلى